بدائع الكلام في تفسير آيات الأحكام - الشيخ محمد باقر الملكي الميانجي - الصفحة ٢٤٢ - (الآية الثانية) قال تعالى
و الفضل من البادي بها و على نحو الفريضة و الإيجاب من المسلم عليه بالمبدء بها هو المتفضل و الفضل لمن سبق و المجيب قد أدى فريضة و عمل وظيفته و حيث أن سنته تعالى الابتداء لهذه التحية الطيبة كغيرها من مواهبه و عطاياه سبحانه و كذلك سنة ملائكته السفرة الكرام و أنبيائه العظام فعلى أهل البصائر و الاستبصار التأسي بسنة الله تعالى و سنة أوليائه و التقدم و التكرم بهذه التحية على إخوانه المؤمنين و افشائه و إسماعه و الإجهار به عن رغبة و بهجة فالأحسن أن يبتدأ من العالي و ينتهي إلى الداني و ان يشرع عن الشريف و يختتم على الوضيع فيسلم الراكب على الماشي و القائم على القاعد و هكذا فتبين ان تسنين هذه السنة ليست شعارا للتابعية و المتبوعية و لا علامة للرئاسة و المرؤوسية بل أسست و بنيت على التعاطف و التراؤف و على إلغاء الامتيازات إذ مع صرف النظر عنها و حين يبتدأ بالسلام على من دونه فلا يفرق في المواجهة بين الفقير و الغني في نور الثقلين ج ١ ص ٤٣٥ عن فضل بن كثير عن علي بن موسى الرضا (ع) قال من لقي فقيرا فيسلم عليه خلاف سلامه لقي الله عز و جل و هو عليه غضبان.
قوله تعالى- إِنَّ اللّٰهَ كٰانَ عَلىٰ كُلِّ شَيْءٍ حَسِيباً. الحسيب من أسمائه تعالى الحسنى و قد أطلق و أريد منه في الكتاب و السنة و الأدعية و الأذكار الكافية اي كافية في جميع المهمات و عظائم الأمور في دفع الحساد و النصرة على الأعداء و الأضداد قال تعالى- عَطٰاءً حِسٰاباً (النبإ ٣٦) اي كافيا قال تعالى وَ مَنْ يَتَوَكَّلْ عَلَى اللّٰهِ فَهُوَ حَسْبُهُ (الطلاق ٣) و قد يطلق و يراد منه الحاسب و المحاسب قيل ان أصل الحساب العد و كل معدود محسوب قال تعالى وَ إِنْ كٰانَ مِثْقٰالَ حَبَّةٍ مِنْ خَرْدَلٍ أَتَيْنٰا بِهٰا وَ كَفىٰ بِنٰا حٰاسِبِينَ (الأنبياء ٢١) أقول الظاهر ان المناسب في المقام هو المعنى الثاني لاشتمال المقام و إشعاره بالتهديد و التخويف اي ان الله تعالى هو الحسيب على كل شيء و المهيمن و المراقب على ما يعمله العباد و ما تكن صدورهم و ما يضمرون في قلوبهم ففي النهج عن علي (ع) في خطبة- الى ان قال- و حاسب نفسك لنفسك فان غيرك من الأنفس عليها حسيب غيرك. الخطبة أقول فالحسب على الأنفس هو الله سبحانه أَلٰا لَهُ الْحُكْمُ وَ هُوَ أَسْرَعُ الْحٰاسِبِينَ (إنعام ٦٢).
(الآية الثانية) قال تعالى إِنَّ صَلٰاتِي وَ نُسُكِي وَ مَحْيٰايَ وَ مَمٰاتِي لِلّٰهِ رَبِّ الْعٰالَمِينَ لٰا شَرِيكَ لَهُ وَ بِذٰلِكَ أُمِرْتُ وَ أَنَا أَوَّلُ الْمُسْلِمِينَ (إنعام ١٦٣)
ففي القاموس النسك مثلثة و بضمتين العبادة و كل حق لله عز و جل الى ان قال الذبيحة. انتهى.
أقول استدلوا بهذه الآية على وجوب الإخلاص في نية العبادة و تنزيه العبادة و تطهيرها عن الرياء و قالوا ان المراد من قوله مَحْيٰايَ وَ مَمٰاتِي أي ما أعلمه من العبادات في حياتي و ما أفعله من الوصية بالخيرات و أمثالها بعد موتي أن تكون كلها