بدائع الكلام في تفسير آيات الأحكام - الشيخ محمد باقر الملكي الميانجي - الصفحة ٢٣٥ - الآية الخامسة) قال تعالى
طبع روحانيتهم و نورانيتهم الى ما يلقى و يوحي إليهم من الأحكام و الوظائف بما يناسب موقفهم كي يأخذوا بها و يمتثلونها عن جد و نشاط، و قيل انه كان متزملا في مرط عائشة فنزلت و خوطب بقوله يٰا أَيُّهَا الْمُزَّمِّلُ. أقول. هذا الوجه غير سديد أيضا فليست اليوم كانت ثمة عائشة و لم يكن يتزوج بها رسول الله بعد.
عن ابن ابي الحديد قال تزوجها رسول الله قبل الهجرة بسنتين بعد وفاة خديجة (رض) و هي بنت سبع سنين و بنى عليها في المدينة و هي بنت تسعة، و عشرة أشهر و الظاهر انه لا خلاف بين أهل السير أن رسول الله ٦ بني عليها بعد الهجرة بالمدينة و ذكر ان مولد عائشة كان في السنة الرابعة من النبوة.
و قيل أيضا في شأن نزولها كما في الكشاف دخل على خديجة و قد جثت خوفا أول ما أتاه جبرائيل و بوادره ترعد فقال زملوني زملوني و حسب انه عز و جل عرض له فبينا هو على ذلك إذ ناداه جبرئيل يا ايها المزمل انتهى- قوله جثت اي فزع قوله بوادرة البوادر اللحمة بين المنكب و العنق.
أقول هذا القول في نهاية الرداءة و الوهن إذ لا وجه لفزعه و خوفه من جبرئيل و اضطرابه و ارتعاده حين يشرف عليه جبرئيل فإنه مع عظمة روحه و سعة وجوده و شدة عرفانه بالله تعالى و معرفته بما سواه من الأشياء و أعيان الموجودات لم يكن لوحشته و دهشته من جبرئيل وجه معقول بل كان آنس شيء بجبرئيل و بما جاء به من الوحي فإن الظاهر من بعض الروايات الواردة عن أئمة أهل البيت ان نزول ملك الوحي على الإنسان الرسول انما بعد استكماله في مراتب النبوة و وفود الملك و كلام الإنسان معه يسمى رسالة فحين نزل عليه الملك قد بلغ بحسب الكمالات و المعارف بحيث ان مشاهدة الملك و كلامه مرتبة و متوقفة رتبة و زمانا على ما تقدمه من العلوم و المعارف الإلهية و هذا هو الحق المبين.
و قد أساء الزمخشري الأدب ساحة قدس رسول الله و لم يعرف أنه ٦ يدعو الناس الى الايمان بالله و باليوم الآخر و بالدار الآخرة و واضح عند أرباب الشرائع ان الدار الآخرة مع جميع ما فيها من الحقائق و الأعيان و سكانها كلها حقائق و أعيان مادية لطيفة قبل مرتبة الدنيا و الدنيا واقعة في مرتبة متأخرة في طول الآخرة و قد كشف القرآن الكريم عن هذه الحقيقة العقلية و هذه من أجل العلوم و نفائس المعارف الإلهية و قد تفرد القرآن الكريم بكشفها بأنحاء من البيان مجملا و مفصلا مع عناية و اهتمام بالغ في شأنها و دعوة الناس إليها و قد عجز عن نيل عالم الآخرة بهذا المعنى أعاظم الفلاسفة و أكابر الصوفية و وقفوا في مهاوي الخرافات العجيبة و ارتكبوا في تأويل الآيات الكاشفة عن عالم الآخرة المادية اللطيفة و أعيانها تأويلات باردة ركيكة و أصروا عليها.