بدائع الكلام في تفسير آيات الأحكام - الشيخ محمد باقر الملكي الميانجي - الصفحة ٢٠١ - (الآية السادسة) قال تعالى
على الأحداث و الإيجاد أيضا و لكل واحد مما ذكرنا من مصاديق العمران فضيلة و مثوبات عظيمة قد وردت السنن المعتبرة بالأمر بها و التشويق و التأكيد فيها و هي مدونة في جوامع الحديث و الآية الكريمة صريحة في الحث عليها و ان العبادة المذكورة من سنن المؤمنين الأخيار.
قوله تعالى مَنْ آمَنَ بِاللّٰهِ ليس المقام مقام تصريف الايمان و بيان شرائطه و حدوده كي يتوهم أن الايمان عبارة عما ذكر في هذه الآية و انما السياق سياق طرد المشركين و تبعيدهم عن هذه الساحة المقدسة و انهم غير مستأهلين لإقامة الشعائر و عمارة المساجد و التعبير (بانما) المفيدة للحصر ان هذه العبادات خاصة بأهل الإيمان فقط دون غيرهم و الايمان هو الإقرار و الإذعان بالله بعد المعرفة بالله الحق المبين و هو من أشرف الفرائض و أسناها فالاذعان بعد المعرفة و الهداية هو الايمان و قد يطلق و يراد أحد الجزئين الهداية أو الإذعان تسمية للجزء باسم الكل و هكذا بالنسبة إلى غيرهما من الاجزاء أو الشرائط المقررة في أبوابه و هذا بناء على أن الايمان كله عمل و الإذعان الذي هو من أشرف اجراء الايمان عمل أيضا غاية الأمر أن يقال انه مركب من الأعمال أي عمل الروح و البدن و هذا هو المستفاد من الروايات المأثورة عن أئمة أهل البيت : و مقابل هذا القول ان الايمان حقيقة بسيطة و هو الإذعان و الأعمال شرط لصحتها و قبولها و القول الأول هو الحق الحقيق بالقبول.
قوله تعالى وَ الْيَوْمِ الْآخِرِ، مقابل الأول فالدنيا اليوم الأول و ما بعد الدنيا هو اليوم الآخر و المراد منه ما بعد الدنيا لا المعاد فقط كما قيل و يوم المعاد موقف من مواقف يوم الآخرة فالآخر إذا وقع صفة لليوم فيذكر و إذا وقع صلة للدار فيؤنث فيقال الدار الآخرة فأول هذا اليوم و طليعته القبر فالقبر أول منزل من منازل الآخرة و فيها منازل و مواقف البرزخ و البعث و النشور و الوقوف في عرصات القيامة الى أن ينتهي إلى الموقف الكبير و هو يوم العرض الأكبر على الله أي العرض على الله فالحساب ثم الى دار كرامة الله و نعيم مقيم أو دار هواته و هي الجحيم.
قوله تعالى أَقٰامَ الصَّلٰاةَ- الى آخره- اقامة الصلوات أخص من فعل الصلوات فالمراد من إقامتها إتيانها على حدودها و شرائطها التي لا ينفك عن كونها مقبولة عند الله سبحانه و اتى الزكاة قرن الصلاة بالزكاة غالبا في القرآن مع كونها من أجل الفرائض و قرينا للصلاة.
قوله تعالى وَ لَمْ يَخْشَ إِلَّا اللّٰهَ. قال في الصافي ملخصا اي ما يرجع الى أمر الدين فان الخوف من المحاذير جبلي لا يمكن أن يتمالك عنه.
أقول الخوف من الله و الخشية منه سبحانه ليس من هو ان النفس و ذلتها و من قبيل التأثرات في مقابل ما يهدده من الحوادث و المحاذير بل هي من أجل الكمالات