بدائع الكلام في تفسير آيات الأحكام - الشيخ محمد باقر الملكي الميانجي - الصفحة ١٨٦ - (الآية الخامسة) قال تعالى
و أطنبوا و قد أغمضنا عن إيرادها و النقض و الإبرام فيها حذرا من الإطالة و أقول: بعد ما قرع تعالى المبطلين من أهل الكتاب و المشركين و المنافقين شرح سبحانه و أعاد الكلام في أمر القبلة ثانيا و هذه الإعادة ليست للتكرار و التأكيد كما توهم ضرورة انها ليست لأجل التشريع ثانية و ثالثة بل وجه الإعادة بالآيتين أنهما سيقا للتشديد في امتثال الأمر و تسلية لرسوله و تأييدا فقال وَ مِنْ حَيْثُ خَرَجْتَ الآية رغما للمخاصمين وَ إِنَّهُ لَلْحَقُّ مِنْ رَبِّكَ و انك و أوليائك لعلى حق مبين و اما أعدائك الذين يريدون إطفاء نورك فما الله بغافل عنهم فسيكفيكهم و يظهرك عليهم و يقطع دابرهم و في الكلام التفات من الخطاب إلى الغيبة لتحذيرهم و تهديدهم ثم خاطبه و خاطبهم ثالثة قال وَ مِنْ حَيْثُ خَرَجْتَ الآية فخلطه مع المؤمنين و أمرهم بالامتثال و حذرهم عن الوهن و الفشل و علله بقوله لِئَلّٰا يَكُونَ لِلنّٰاسِ عَلَيْكُمْ حُجَّةٌ أي اضطرابكم في الأمر و زلزالكم في المقام يوجب تقوية شبهة المبطلين و قيل في وجه تقوية حججهم انهم عرفوا في كتبهم ان النبي الموعود يصلي الى القبلتين و تكون قبلته النهائية الكعبة و هذا البيان أقوى حجة على ما ذكرنا فان التعليل المذكور لا يلائم التشريع بوجه أصلا فإن التشريع فعله تعالى لا فعل المؤمنين انظر الى موقع قوله تعالى فَلٰا تَخْشَوْهُمْ وَ اخْشَوْنِي فهذه الجملة و هذه النصيحة من الله صريحة في التعليل المذكور اي ان الله سبحانه أولى بأن تخشوا منه لعموم قدرته و سلطانه و شدة بأسه لأعدائه المخاصمين فإنهم لن يضروكم أصلا إلا بإذن من الله فلا تعصوه تعالى بمخالفة أمره و اطاعة أعدائه فاختلفوا في مصداق هذه النعمة التي يريد تعالى إتمامها و إكمالها جزءا لامتثالهم و لعلها انتشار الدعوة و غلبة الحجة و تكبيت العدو و اهتداء الناس الى روح الشريعة و الانتفاع بها و الاستضاءة بأنوارها و الحمد لله الذي هدانا لهذا.
(الآية الخامسة) قال تعالى وَ لِلّٰهِ الْمَشْرِقُ وَ الْمَغْرِبُ فَأَيْنَمٰا تُوَلُّوا فَثَمَّ وَجْهُ اللّٰهِ (البقرة ١١٥)
قوله تعالى لِلّٰهِ الْمَشْرِقُ وَ الْمَغْرِبُ اللام للملك و كون المشرق و المغرب ملكا لله تعالى ليس أمرا اعتباريا مثل الملك الموجود في الاجتماع فإنه إما اعتباري محض و كناية عن جواز الانتفاع من العين بحسب العقل و الشرع على ما ذكروه أو من الأمور الواقعية مثل مالكية الإنسان لأفعاله من القبض و البسط و الفعل و الترك الا ان الإنسان لمكان مملوكيته لله تعالى من حيث ذاته و من حيث ما كان واجدا لمواهبه تعالى من الحياة و العلم و القدرة ليس ملكه لذاته بذاته و كذلك بالنسبة إلى المواهب التي يجدها و الأفعال التي يصدر عنها فلا يكون مالكا لذاته و لا لمواهبه و لا لأفعاله بذاته بل هو مالك بالغير بخلاف مالكيته تعالى للمشرق و المغرب و لجميع ما سواه فان مالكيته ذاتية و هذه المسألة من أغمض المسائل الكلامية و قد عبر عن هذه الحقيقة بعض المحققين عن القيومية لعدم نيلهم