بدائع الكلام في تفسير آيات الأحكام - الشيخ محمد باقر الملكي الميانجي - الصفحة ١٨ - الاستدلال بالآية على الوجوب النفسي لغسل الجنابة و بيان بعض مفردات آية الغسل و أحكامه
موسع و تظهر فائدة الخلاف بين القولين فيمن أتى به عند خلو ذمته من العبادة المشروطة به هل يأتي به بنية الوجوب أو الندب؟ و في عصيانه فمن كان جنبا و يظن أو يعلم انه يموت قبل حلول وقت عبادة واجبة مشروطة بالغسل فلو تركه مات عاصيا و تاركا لهذا الواجب و قد نوقش في كلتا الفائدتين و قالوا لا إشكال في مشروعية الغسل قبل حلول الوقت و نية الوجه لم يعلم وجوبه فيصح الإتيان بغسل الجنابة بقصد امره من غير قصد نية الوجه سواء قلنا انه واجب أو مندوب. و اما الفائدة الثانية فقلما يتفق موردها و لو اتفق أحيانا قال العلامة المجلسي (قده) يوقعه خروجا عن الخلاف انتهى.
ثم انه لا ينافي الوجوب النفسي بناء على القول به مع الوجوب الغيري و أخذ الغسل شرطا في صحة الصلاة مثلا كما انه كذلك بالنسبة إلى الاستحباب النفسي.
فتحصل في المقام ان الآية الكريمة تفيد إيجاب الغسل للصلاة لا إيجابه لنفسه و أن استحبابه النفسي على ما هو التسالم عليه عند الفقهاء (قدس الله أسرارهم) انما هو بحسب الأدلة الأخرى غير الآية الكريمة.
قوله تعالى جُنُباً قال الراغب في مفرداته بعد تفسيره بالابعاد و قوله تعالى وَ إِنْ كُنْتُمْ جُنُباً فَاطَّهَّرُوا أي أصابتكم الجنابة الى ان قال و سميت الجنابة لكونها سببا لتجنب الصلاة بحكم الشرع و قريب منه ما في بعض العبارات حيث قالوا أنه في اللغة بمعنى الابعاد و شرعا هو البعد عن أحكام الطاهرين.
أقول قد اشتبه الأمر على الراغب و من قال بمثل مقالته و لازم ما ذكروه هو القول بالحقيقة الشرعية في لفظ الجنب و هو مكان من الوهن، ضرورة أن الجنابة أمر واقعي و من كان به جنابة بما له من اللغوي فهو موضوع بعده من الأحكام الشرعية الواجبة أو غيرها فلحاظ البعد و الابعاد انما هو بحسب الوضع اللغوي لا بلحاظ حكم الشرع و أخذه قيدا في المعنى اللغوي.
و التحقيق ان الجنب قد استعمل في معان كثيرة منها البعد المكاني مثل قوله تعالى فَبَصُرَتْ بِهِ عَنْ جُنُبٍ وَ هُمْ لٰا يَشْعُرُونَ (قصص آية ١١) و قوله تعالى وَ الْجٰارِ الْجُنُبِ قال في القاموس بضمتين اي اللازق بك من غير قومك و الجار الجنب بضمتين اي البعيد و في أقرب الموارد و الجار الجنب أي جارك من غير قومك و منه وَ بِالْوٰالِدَيْنِ إِحْسٰاناً وَ بِذِي الْقُرْبىٰ وَ الْيَتٰامىٰ وَ الْمَسٰاكِينِ وَ الْجٰارِ ذِي الْقُرْبىٰ وَ الْجٰارِ الْجُنُبِ وَ الصّٰاحِبِ الآية (نساء آية ٣٦) اي البعيد و في المفردات جنب فلان خير أو جنب شرا قال تعالى وَ سَيُجَنَّبُهَا الْأَتْقَى الَّذِي يُؤْتِي مٰالَهُ يَتَزَكّٰى (ليل ١٨- ١٩) و إذا