بدائع الكلام في تفسير آيات الأحكام - الشيخ محمد باقر الملكي الميانجي - الصفحة ١٢٧ - في ذكر صلاة الخوف و الاستدلال على وجوب قصر الصلاة فيها
داعين انتهى. و قيل معناه ذاكرين الله في قيامكم و قيل الدعاء و قيل السكوت و كانوا يتكلمون في الصلاة فنزلت الآية و نهوا عن ذلك، رواه الجصاص عن أبي عمرو الشيباني و أطال الكلام في ذلك و أصر عليه و نقل أحاديث كثيرة في النهي عن الكلام في أثناء الصلاة و ليس في هذه الأحاديث في تفسير الآية من شيء إلا حديث أبي عمرو الشيباني و روي عن عبد الله بن مسعود أنا كنا نسلم على رسول الله في أثناء الصلاة قبل أن نأتي أرض الحبشة فلما رجعت سلمت عليه فلم يرد علي فذكرت ذلك له فقال ان الله يحدث من أمره ما يشاء و انه قضى ان لا يتكلموا في الصلاة. فلا يخفى خروج ذلك كله عن حريم الآية و تفسيرها و الذي يحل العقدة و يحسم أصل الشبهة ما ذكرناه في صدر البيان أن الآية الكريمة تذكر و إرشاد و حث على المراقبة و المحافظة على الصلوات المكتوبات و خاصة الوسطى منها و أن يقوموا في هذه الصلوات أو الأعم منها قانتا مخلصا حنيفا و ليست الآية في مقام جعل الصلاة و لا جعل الشرطية للقيام و جزئية القنوت لها و تقييد القنوت بالقيام و القيام بالقنوت فالمراد من القيام هو الصلاة و القنوت نعت لها مطلقا قائماً راكعا ساجدا مسبحا مذكرا قارئاً قال تعالى أَمَّنْ هُوَ قٰانِتٌ آنٰاءَ اللَّيْلِ سٰاجِداً وَ قٰائِماً يَحْذَرُ الْآخِرَةَ وَ يَرْجُوا رَحْمَةَ رَبِّهِ (زمر ٩).
في تفسير العياشي عن عبد الله بن سنان عن أبي عبد الله (ع) قال الصلاة الوسطى الظهر وَ قُومُوا لِلّٰهِ قٰانِتِينَ إقبال الرجل على صلاته و محافظته على وقتها حتى لا يلهيه عنها و لا يشغله شيء.
و فيه أيضا عن زرارة عن أبي جعفر (ع) في حديث الى ان قال وَ قُومُوا لِلّٰهِ قٰانِتِينَ في الصلاة الوسطى- الى ان قال- قال قُومُوا لِلّٰهِ قٰانِتِينَ مطيعين راغبين.
[في ذكر صلاة الخوف و الاستدلال على وجوب قصر الصلاة فيها]
قوله تعالى فَإِنْ خِفْتُمْ فَرِجٰالًا أَوْ رُكْبٰاناً فَإِذٰا أَمِنْتُمْ فَاذْكُرُوا اللّٰهَ كَمٰا عَلَّمَكُمْ مٰا لَمْ تَكُونُوا تَعْلَمُونَ. بعد تشديد الأمر بالمواظبة و المراقبة في شأن الصلوات سيما الوسطى و التذكر و الإرشاد بخطر الموقف و التحذير عن الإضاعة و الاستخفاف بها و شئونها و الإتيان بجميع أجزائها و شروطها مستوفاة قانتا مطمئنا راغبا أجاز و رخص تعالى في حال الخوف المشي و الركوب في حال الصلاة و الخوف في المقام شامل لجميع أنواع الخوف العدو و اللص و السبع و غيرها و لم يذكر تعالى في هذه الآية غير الترخيص في المشي و الركوب في حال الصلاة و لم يبين طور الصلاة و عدد ركعاتها فان هذا الإرفاق و الترخيص بالنسبة إلى التشديد المذكور في الآية و اما غيره من التخفيف في بقية الصلوات لا بد من التماس ذلك من أدلة أخرى قال تعالى وَ إِذٰا ضَرَبْتُمْ فِي الْأَرْضِ فَلَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنٰاحٌ أَنْ تَقْصُرُوا مِنَ الصَّلٰاةِ إِنْ خِفْتُمْ أَنْ يَفْتِنَكُمُ الَّذِينَ كَفَرُوا الآية (النساء ١٠١).
فقد اختلفوا في دلالة هذه الآية على وجوب قصر الصلاة بمجرد الخوف في