البداية و النهاية - ابن كثير الدمشقي - الصفحة ٥٠ - قصة زكريا و يحيى (عليهما السلام)
بكثرة الذكر في هذه الحال بالقلب و استحضار ذلك بفؤاده بالعشي و الأبكار فلما بشر بهذه البشارة خرج مسرورا بها على قومه من محرابه (فَأَوْحى إِلَيْهِمْ أَنْ سَبِّحُوا بُكْرَةً وَ عَشِيًّا)* و الوحي هاهنا هو الأمر الخفى اما بكتابه كما قاله مجاهد و السدي أو اشارة كما قاله مجاهد أيضا و وهب و قتادة. قال مجاهد و عكرمة و وهب و السدي و قتادة اعتقل لسانه من غير مرض. و قال ابن زيد كان يقرأ و يسبح و لكن لا يستطيع كلام أحد. و قوله (يا يَحْيى خُذِ الْكِتابَ بِقُوَّةٍ وَ آتَيْناهُ الْحُكْمَ صَبِيًّا)، يخبر تعالى عن وجود الولد وفق البشارة الإلهية لأبيه زكريا (عليه السلام) و أن اللَّه علمه الكتاب و الحكمة و هو صغير في حال صباه* قال عبد اللَّه بن المبارك قال معمر قال الصبيان ليحيى بن زكريا اذهب بنا نلعب فقال ما للعب خلقنا قال و ذلك قوله (وَ آتَيْناهُ الْحُكْمَ صَبِيًّا) و أما قوله (وَ حَناناً مِنْ لَدُنَّا) فروى ابن جرير عن عمرو بن دينار عن عكرمة عن ابن عباس أنه قال لا أدرى ما الحنان. و عن ابن عباس و مجاهد و عكرمة و قتادة و الضحاك (وَ حَناناً مِنْ لَدُنَّا) أي رحمة من عندنا رحمنا بها زكريا فوهبنا له هذا الولد* و عن عكرمة (وَ حَناناً) أي محبة عليه و يحتمل أن يكون ذلك صفة لتحنن يحيى على الناس و لا سيما على أبويه و هو محبتهما و الشفقة عليهما و بره بهما. و أما الزكاة فهو طهارة الخلق و سلامته من النقائص و الرذائل. و التقوى طاعة اللَّه بامتثال أوامره و ترك زواجره، ثم ذكر بره بوالديه و طاعته لهما أمرا و نهيا و ترك عقوقهما قولا و فعلا فقال (وَ بَرًّا بِوالِدَيْهِ وَ لَمْ يَكُنْ جَبَّاراً عَصِيًّا) ثم قال (وَ سَلامٌ عَلَيْهِ يَوْمَ وُلِدَ وَ يَوْمَ يَمُوتُ وَ يَوْمَ يُبْعَثُ حَيًّا) هذه الأوقات الثلاثة أشد ما تكون على الإنسان فإنه ينتقل في كل منها من عالم إلى عالم آخر فيفقد الأول بعد ما كان ألفه و عرفه و يصير إلى الآخر و لا يدرى ما بين يديه و لهذا يستهل صارخا إذا خرج من بين الأحشاء و فارق لينها و ضمها و ينتقل إلى هذه الدار ليكابد همومها و غمها و كذلك إذا فارق هذه الدار و انتقل إلى عالم البرزخ بينها و بين دار القرار و صار بعد الدور و القصور إلى عرصة الأموات سكان القبور و انتظر هناك النفخة في الصور ليوم البعث و النشور فمن مسرور و محبور و من محزون و مثبور و ما بين جبير و كسير و فريق في الجنة و فريق في السعير. و لقد أحسن بعض الشعراء حيث يقول:
ولدتك أمك باكيا مستصرخا* * * و الناس حولك يضحكون سرورا
فاحرص لنفسك أن تكون إذا بكوا* * * في يوم موتك ضاحكا مسرورا
و لما كانت هذه المواطن الثلاثة اشق ما تكون على ابن آدم سلم اللَّه على يحيى في كل موطن منها فقال
(و سلام عليه يوم ولد و يوم يموت و يوم يبعث حيا)
و قال سعيد ابن أبى عروبة عن قتادة أن الحسن قال إن يحيى و عيسى التقيا فقال له عيسى استغفر لي أنت خير منى فقال له الآخر استغفر لي أنت خير منى فقال له عيسى أنت خير منى سلمت على نفسي و سلم اللَّه عليك فعرف و اللَّه فضلهما، و أما قوله في الآية الأخرى (وَ سَيِّداً وَ حَصُوراً وَ نَبِيًّا مِنَ الصَّالِحِينَ) فقيل المراد بالحصور الّذي لا يأتى النساء