البداية و النهاية - ابن كثير الدمشقي - الصفحة ١٢٠ - * قصة أصحاب الجنة
بها و لا يثق بها بل يجعل طاعة اللَّه و التوكل عليه في كل حال نصب عينيه. و ليكن بما في يد اللَّه أوثق منه بما في يديه. و فيها أن من قدم شيئا على طاعة اللَّه و الإنفاق في سبيله عذب به و ربما سلب منه معاملة له بنقيض قصده. و فيها أن الواجب قبول نصيحة الأخ المشفق و ان مخالفته وبال و دمار على من رد النصيحة الصحيحة. و فيها أن الندامة لا تنفع إذا حان القدر و نفذ الأمر الحتم و باللَّه المستعان و عليه التكلان
* قصة أصحاب الجنة
قال اللَّه تعالى إِنَّا بَلَوْناهُمْ كَما بَلَوْنا أَصْحابَ الْجَنَّةِ إِذْ أَقْسَمُوا لَيَصْرِمُنَّها مُصْبِحِينَ. وَ لا يَسْتَثْنُونَ. فَطافَ عَلَيْها طائِفٌ مِنْ رَبِّكَ وَ هُمْ نائِمُونَ. فَأَصْبَحَتْ كَالصَّرِيمِ. فَتَنادَوْا مُصْبِحِينَ. أَنِ اغْدُوا عَلى حَرْثِكُمْ إِنْ كُنْتُمْ صارِمِينَ. فَانْطَلَقُوا وَ هُمْ يَتَخافَتُونَ. أَنْ لا يَدْخُلَنَّهَا الْيَوْمَ عَلَيْكُمْ مِسْكِينٌ. وَ غَدَوْا عَلى حَرْدٍ قادِرِينَ. فَلَمَّا رَأَوْها قالُوا إِنَّا لَضَالُّونَ. بَلْ نَحْنُ مَحْرُومُونَ. قالَ أَوْسَطُهُمْ أَ لَمْ أَقُلْ لَكُمْ لَوْ لا تُسَبِّحُونَ. قالُوا سُبْحانَ رَبِّنا إِنَّا كُنَّا ظالِمِينَ* فَأَقْبَلَ بَعْضُهُمْ عَلى بَعْضٍ يَتَلاوَمُونَ* قالُوا يا وَيْلَنا إِنَّا كُنَّا طاغِينَ* عَسى رَبُّنا أَنْ يُبْدِلَنا خَيْراً مِنْها إِنَّا إِلى رَبِّنا راغِبُونَ* كَذلِكَ الْعَذابُ وَ لَعَذابُ الْآخِرَةِ أَكْبَرُ لَوْ كانُوا يَعْلَمُونَ).
و هذا مثل ضربه اللَّه لكفار قريش فيما أنعم به عليهم من إرسال الرسول العظيم الكريم اليهم فقابلوه بالتكذيب و المخالفة كما قال تعالى أَ لَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ بَدَّلُوا نِعْمَتَ اللَّهِ كُفْراً وَ أَحَلُّوا قَوْمَهُمْ دارَ الْبَوارِ* جَهَنَّمَ يَصْلَوْنَها وَ بِئْسَ الْقَرارُ. قال ابن عباس هم كفار قريش فضرب تعالى لهم مثلا بأصحاب الجنة المشتملة على أنواع الزروع و الثمار التي قد انتهت و استحقت أن تجد و هو الصرام و لهذا قال (إِذْ أَقْسَمُوا) فيما بينهم (لَيَصْرِمُنَّها) أي ليجدنها و هو الاستغلال (مُصْبِحِينَ) أي وقت الصبح حيث لا يراهم فقير و لا محتاج فيعطوه شيئا فحلفوا على ذلك و لم يستثنوا في يمينهم فعجزهم اللَّه و سلط عليها الآفة التي أحرقتها و هي السفعة التي اجتاحتها و لم تبق بها شيئا ينتفع به و لهذا قال فَطافَ عَلَيْها طائِفٌ مِنْ رَبِّكَ وَ هُمْ نائِمُونَ* فَأَصْبَحَتْ كَالصَّرِيمِ) أي كالليل الأسود المنصرم من الضياء و هذه معاملة بنقيض المقصود (فَتَنادَوْا مُصْبِحِينَ) أي فاستيقظوا من نومهم فنادى بعضهم بعضا قائلين (اغْدُوا عَلى حَرْثِكُمْ إِنْ كُنْتُمْ صارِمِينَ) أي باكروا إلى بستانكم فاصرموه قبل أن يرتفع النهار و يكثر السؤال (فَانْطَلَقُوا وَ هُمْ يَتَخافَتُونَ) أي يتحدثون فيما بينهم خفية قائلين (لا يَدْخُلَنَّهَا الْيَوْمَ عَلَيْكُمْ مِسْكِينٌ) أي اتفقوا على هذا و اشتوروا عليه (وَ غَدَوْا عَلى حَرْدٍ قادِرِينَ) أي انطلقوا مجدين في ذلك قادرين عليه مضمرين على هذه النية الفاسدة. و قال عكرمة و الشعبي (وَ غَدَوْا عَلى حَرْدٍ) أي غضب على المساكين و أبعد السدي في قوله أن اسم حرثهم حرد (فَلَمَّا رَأَوْها) أي وصلوا اليها و نظروا ما حل بها و ما قد صارت اليه من الصفة المنكرة بعد تلك النضرة و الحسن و البهجة فانقلبت بسبب النية الفاسدة فعند ذلك (قالُوا إِنَّا لَضَالُّونَ) أي قد نهينا عنها و سلكنا غير طريقها ثم قالوا (بَلْ نَحْنُ مَحْرُومُونَ) أي بل عوقبنا بسبب سوء قصدنا و حرمنا بركة حرثنا (قالَ أَوْسَطُهُمْ). قال ابن عباس