البداية و النهاية - ابن كثير الدمشقي - الصفحة ٢٣٣ - ذكر قس بن ساعدة الأيادي
و يأنس بالهوام، و يستمتع بالظلام، يبصر فيعتبر، و يفكر فيختبر، فصار لذلك واحدا تضرب بحكمته الأمثال، و تكشف به الأهوال. أدرك رأس الحواريين سمعان، و هو أول رجل تأله من العرب و وحّد، و أقر و تعبد، و أيقن بالبعث و الحساب، و حذر سوء المآب، و أمر بالعمل قبل الفوت، و وعظ بالموت و سلم بالقضا، على السخط و الرضا، و زار القبور، و ذكر النشور، و ندب بالاشعار، و فكر في الأقدار، و أنبأ عن السماء و النماء، و ذكر النجوم و كشف الماء، و وصف البحار، و عرف الآثار، و خطب راكبا، و وعظ دائبا، و حذر من الكرب، و من شدة الغضب، و رسّل الرسائل، و ذكر كل هائل، و أرغم في خطبه، و بين في كتبه، و خوف الدهر، و حذر الأزر، و عظم الأمر، و جنب الكفر، و شوق الى الحنيفية، و دعا الى اللاهوتية. و هو القائل في يوم عكاظ: شرق و غرب، و يتم و حزب، و سلم و حرب، و يابس و رطب، و أجاج و عذب، و شموس و أقمار، و رياح و أمطار، و ليل و نهار، و أناث و ذكور، و برار و بحور، و حب و نبات، و آباء و أمهات، و جمع و اشتات، و آيات في إثرها آيات، و نور و ظلام، و يسر و اعدام، و رب و أصنام، لقد ضل الأنام، نشوّ مولود، و وأد مفقود، و تربية محصود، و فقير و غنى، و محسن و مسيء، تبا لأرباب الغفلة، ليصلحن العامل عمله، و ليفقدن الآمل أمله، كلا بل هو إله واحد، ليس بمولود و لا والد، أعاد و أبدى، و أمات و أحيا، و خلق الذكر و الأنثى، رب الآخرة و الاولى. أما بعد:
فيا معشر إياد، أين ثمود و عاد؟ و أين الآباء و الأجداد؟ و أين العليل و العواد؟ كل له معاد يقسم قس برب العباد، و ساطح المهاد، لتحشرن على الانفراد، في يوم التناد، إذا نفخ في الصور، و نقر في الناقور، و أشرقت الأرض، و وعظ الواعظ، فانتبذ القانط و أبصر اللاحظ، فويل لمن صدف عن الحق الأشهر، و النور الأزهر، و العرض الأكبر، في يوم الفصل، و ميزان العدل، إذا حكم القدير، و شهد النذير، و بعد النصير، و ظهر التقصير، ففريق في الجنة و فريق في السعير. و هو القائل:
ذكر القلب من جواه ادكار* * * و ليال خلالهنّ نهار
و سجال هواطل من غمام* * * ثرن ماء و في جواهنّ نار
ضوءها يطمس العيون و أرعاد* * * شداد في الخافقين تطار
و قصور مشيدة حوت الخير* * * و اخرى خلت بهن قفار
و جبال شوامخ راسيات* * * و بحار مياههن غزار
و نجوم تلوح في ظلم الليل* * * نراها في كل يوم تدار
ثم شمس يحثها قمر الليل* * * و كل متابع موّار
و صغير و أشمط و كبير* * * كلهم في الصعيد يوما مزار
و كبير مما يقصر عنه* * * حدسه الخاطر الّذي لا يحار