البداية و النهاية - ابن كثير الدمشقي - الصفحة ٢٧٧ - ذكر رضاعه عليه الصلاة و السلام
جوفه ثم مليء حكمة و إيمانا. و ثبت من رواية سليمان بن المغيرة عن ثابت عن أنس. و في الصحيحين من طريق شريك بن أبى نمر عن أنس و عن الزهري عن أنس عن أبى ذر و قتادة عن أنس و عن مالك بن صعصعة عن النبي (صلّى اللَّه عليه و سلّم) في حديث الاسراء كما سيأتي قصة شرح الصدر ليلتئذ و إنه غسل بماء زمزم، و لا منافاة لاحتمال وقوع ذلك مرتين مرة و هو صغير و مرة ليلة الاسراء ليتأهب للوفود إلى الملأ الأعلى و لمناجاة الرب عز و جل و المثول بين يديه تبارك و تعالى.
و قال ابن إسحاق: و كان رسول اللَّه (صلّى اللَّه عليه و سلّم) يقول لأصحابه: «أنا أعربكم، أنا قرشي و استرضعت في بنى سعد بن بكر»
و ذكر ابن إسحاق: أن حليمة لما أرجعته إلى أمه بعد فطامه مرت به على ركب من النصارى فقاموا اليه عليه الصلاة و السلام فقلبوه و قالوا إنا سنذهب بهذا الغلام إلى ملكنا فإنه كائن له شأن فلم تكد تنفلت منهم إلا بعد جهد. و ذكر أنها لما ردته حين تخوفت عليه أن يكون أصابه عارض، فلما قربت من مكة افتقدته فلم تجده فجاءت جده عبد المطلب فخرج هو و جماعة في طلبه، فوجده ورقة بن نوفل و رجل آخر من قريش فأتيا به جده، فأخذه على عاتقه و ذهب فطاف به يعوذه و يدعو له ثم رده إلى أمه آمنة.
و ذكر الأموي من طريق عثمان بن عبد الرحمن الوقاصى- و هو ضعيف- عن الزهري عن سعيد بن المسيب قصة مولده عليه الصلاة و السلام و رضاعه من حليمة على غير سياق محمد بن إسحاق.
و ذكر أن عبد المطلب أمر ابنه عبد اللَّه أن يأخذه فيطوف به في أحياء العرب ليتخذ له مرضعة فطاف حتى استأجر حليمة على رضاعه و ذكر أنه أقام عندها ست سنين تزيره جده في كل عام فلما كان من شق صدره عندهم ما كان ردته اليهم فأقام عند أمه حتى كان عمره ثماني سنين ماتت فكفله جده عبد المطلب فمات و له عليه الصلاة و السلام عشر سنين، فكفله عماه شقيقا أبيه الزبير و أبو طالب، فلما كان له بضع عشرة سنة خرج مع عمه الزبير الى اليمن. فذكر أنهم رأوا منه آيات في تلك السفرة منها أن فحلا من الإبل كان قد قطع بعض الطريق في واد ممرهم عليه فلما رأى رسول اللَّه (صلّى اللَّه عليه و سلّم) برك حتى حك بكلكله الأرض فركبه عليه الصلاة و السلام. و منها أنه خاض بهم سيلا عرما فأيبسه اللَّه تعالى حتى جاوزوه ثم مات عمه الزبير و له أربع عشرة سنة فانفرد به أبو طالب.
و المقصود أن بركته عليه الصلاة و السلام حلت على حليمة السعدية و أهلها و هو صغير ثم عادت على هوازن بكمالهم فواضله حين أسرهم بعد وقعتهم، و ذلك بعد فتح مكة بشهر. فمتوا اليه برضاعة فأعتقهم و تحنن عليهم و أحسن اليهم كما سيأتي مفصلا في موضعه إن شاء اللَّه تعالى.
قال محمد بن إسحاق: في وقعة هوازن عن عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده. قال: كنا مع رسول اللَّه (صلّى اللَّه عليه و سلّم) بحنين فلما أصاب من أموالهم و سباياهم أدركه وفد هوازن بالجعرانة و قد أسلموا، فقالوا يا رسول اللَّه إنا أهل و عشيرة و قد أصابنا من البلاء ما لم يخف عليك، فامنن علينا منّ اللَّه عليك. و قام