البداية و النهاية - ابن كثير الدمشقي - الصفحة ٨٤ - * بيان شجرة طوبى ما هي
ذلِكَ لَآيَةً لَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ وَ مُصَدِّقاً لِما بَيْنَ يَدَيَّ مِنَ التَّوْراةِ وَ لِأُحِلَّ لَكُمْ بَعْضَ الَّذِي حُرِّمَ عَلَيْكُمْ وَ جِئْتُكُمْ بِآيَةٍ مِنْ رَبِّكُمْ فَاتَّقُوا اللَّهَ وَ أَطِيعُونِ إِنَّ اللَّهَ رَبِّي وَ رَبُّكُمْ فَاعْبُدُوهُ هذا صِراطٌ مُسْتَقِيمٌ فَلَمَّا أَحَسَّ عِيسى مِنْهُمُ الْكُفْرَ قالَ مَنْ أَنْصارِي إِلَى اللَّهِ قالَ الْحَوارِيُّونَ نَحْنُ أَنْصارُ اللَّهِ آمَنَّا بِاللَّهِ وَ اشْهَدْ بِأَنَّا مُسْلِمُونَ رَبَّنا آمَنَّا بِما أَنْزَلْتَ وَ اتَّبَعْنَا الرَّسُولَ فَاكْتُبْنا مَعَ الشَّاهِدِينَ. وَ مَكَرُوا وَ مَكَرَ اللَّهُ وَ اللَّهُ خَيْرُ الْماكِرِينَ.
كانت معجزة كل نبي في زمانه بما يناسب أهل ذلك الزمان فذكروا أن موسى (عليه السلام) كانت معجزته مما يناسب أهل زمانه و كانوا سحرة أذكياء فبعث بآيات بهرت الابصار و خضعت لها الرقاب و لما كان السحرة خبيرين بفنون السحر و ما ينتهى اليه و عاينوا ما عاينوا من الأمر الباهر الهائل الّذي لا يمكن صدوره الا عمن أيده اللَّه و أجرى الخارق على يديه تصديقا له أسلموا سراعا و لم يتلعثموا و هكذا عيسى ابن مريم بعث في زمن الطبائعية الحكماء فأرسل بمعجزات لا يستطيعونها و لا يهتدون اليها و انى لحكيم إبراء الأكمه الّذي هو أسوأ حالا من الأعمى و الأبرص و المجذوم و من به مرض مزمن و كيف يتوصل أحد من الخلق الى ان يقيم الميت من قبره هذا مما يعلم كل أحد معجزة دالة على صدق من قامت به و على قدرة من أرسله و هكذا محمد (صلّى اللَّه عليه و سلّم) و عليهم أجمعين بعث في زمن الفصحاء البلغاء فانزل اللَّه عليه القرآن العظيم الّذي لا يأتيه الباطل من بين يديه و لا من خلفه تنزيل من حكيم حميد فلفظه معجز تحدى به الانس و الجن أن يأتوا بمثله أو بعشر سور من مثله أو بسورة و قطع عليهم بأنهم لا يقدرون لا في الحال و لا في الاستقبال فان لم يفعلوا و لن يفعلوا و ما ذاك الا لانه كلام الخالق عز و جل و اللَّه تعالى لا يشبهه شيء لا في ذاته و لا في صفاته و لا في أفعاله.
و المقصود ان عيسى (عليه السلام) لما أقام عليهم الحجج و البراهين استمر أكثرهم على كفرهم و ضلالهم و عنادهم و طغيانهم فانتدب له من بينهم طائفة صالحة فكانوا له أنصارا و أعوانا قاموا بمتابعته و نصرته و مناصحته و ذلك حين هم به بنو إسرائيل و وشوا به الى بعض ملوك ذلك الزمان فعزموا على قتله و صلبه فأنقذه اللَّه منهم و رفعه اليه من بين أظهرهم و القى شبهه على أحد أصحابه فأخذوه فقتلوه و صلبوه و هم يعتقدونه عيسى و هم في ذلك غالطون و للحق مكابرون و سلم لهم كثير من النصارى ما ادعوه و كلا الفريقين في ذلك مخطئون قال تعالى وَ مَكَرُوا وَ مَكَرَ اللَّهُ وَ اللَّهُ خَيْرُ الْماكِرِينَ و قال تعالى وَ إِذْ قالَ عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ يا بَنِي إِسْرائِيلَ إِنِّي رَسُولُ اللَّهِ إِلَيْكُمْ مُصَدِّقاً لِما بَيْنَ يَدَيَّ مِنَ التَّوْراةِ وَ مُبَشِّراً بِرَسُولٍ يَأْتِي مِنْ بَعْدِي اسْمُهُ أَحْمَدُ فَلَمَّا جاءَهُمْ بِالْبَيِّناتِ قالُوا هذا سِحْرٌ مُبِينٌ. وَ مَنْ أَظْلَمُ مِمَّنِ افْتَرى عَلَى اللَّهِ الْكَذِبَ وَ هُوَ يُدْعى إِلَى الْإِسْلامِ وَ اللَّهُ لا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ يُرِيدُونَ لِيُطْفِؤُا نُورَ اللَّهِ بِأَفْواهِهِمْ وَ اللَّهُ مُتِمُّ نُورِهِ وَ لَوْ كَرِهَ الْكافِرُونَ الى أن قال بعد ذاك يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُونُوا أَنْصارَ اللَّهِ كَما قالَ عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ لِلْحَوارِيِّينَ مَنْ أَنْصارِي إِلَى اللَّهِ قالَ الْحَوارِيُّونَ نَحْنُ أَنْصارُ اللَّهِ فَآمَنَتْ طائِفَةٌ مِنْ بَنِي إِسْرائِيلَ وَ كَفَرَتْ طائِفَةٌ فَأَيَّدْنَا الَّذِينَ آمَنُوا عَلى عَدُوِّهِمْ