البداية و النهاية - ابن كثير الدمشقي - الصفحة ٣٠٢ - فصل في تجديد قريش بناء الكعبة قبل المبعث بخمس سنين
بين الركن الأسود و الركن اليماني لبني مخزوم و قبائل من قريش انضموا اليهم. و كان ظهر الكعبة لبني جمح و سهم. و كان شق الحجر لبني عبد الدار بن قصي و لبني أسد بن عبد العزى و لبني عدي بن كعب، و هو الحطيم. ثم إن الناس هابوا هدمها و فرقوا منه. فقال الوليد بن المغيرة أنا أبدؤكم في هدمها فأخذ المعول ثم قام عليها و هو يقول: اللهم لم ترع اللهم إنا لا نريد إلا الخير. ثم هدم من ناحية الركنين فتربص الناس تلك الليلة، و قالوا: ننظر فان أصيب لم نهدم منها شيئا و رددناها كما كانت و إن لم يصبه شيء فقد رضى اللَّه ما صنعنا من هدمها. فأصبح الوليد عاديا على عمله فهدم و هدم الناس معه- حتى إذا انتهى الهدم بهم إلى الأساس- أساس إبراهيم (عليه السلام)- أفضوا إلى حجارة خضر كالأسنة أخذ بعضها بعضا- و وقع في صحيح البخاري عن يزيد بن رومان كأسنمة الإبل- قال السهيليّ و أرى رواية السيرة كالألسنة و هما و اللَّه أعلم.
قال ابن إسحاق: فحدثني بعض من يروى الحديث أن رجلا من قريش ممن كان يهدمها أدخل عتلة بين حجرين منها ليقلع بها أحدهما، فلما تحرك الحجر انتفضت مكة بأسرها. فانتهوا عن ذلك الأساس.
و قال موسى بن عقبة: و زعم عبد اللَّه بن عباس أن أولية قريش كانوا يحدثون أن رجلا من قريش لما اجتمعوا لينزعوا الحجارة إلى تأسيس إبراهيم و إسماعيل (عليهما السلام) عمد رجل منهم إلى حجر من الأساس الأول فرفعه و هو لا يدرى أنه من الأساس الأول، فأبصر القوم برقة تحت الحجر كادت تلتمع بصر الرجل، و نزا الحجر من يده فوقع في موضعه و فزع الرجل و البناة. فلما ستر الحجر عنهم ما تحته إلى مكانه عادوا إلى بنيانهم و قالوا لا تحركوا هذا الحجر و لا شيئا بحذائه.
قال ابن إسحاق: و حدثت أن قريشا وجدوا في الركن كتابا بالسريانية فلم يعرفوا ما هو، حتى قرأه لهم رجل من يهود، فإذا هو أنا اللَّه ذو بكة، خلقتها يوم خلقت السماوات و الأرض، و صورت الشمس و القمر، و حففتها بسبعة أملاك حنفاء لا تزول حتى يزول أخشباها- قال ابن هشام يعنى جبلاها- مبارك لأهلها في الماء و اللبن.
قال ابن إسحاق: و حدثت أنهم وجدوا في المقام كتابا فيه: مكة اللَّه الحرام، يأتيها رزقها من ثلاثة سبل، لا يحلها أول من أهلها. قال و زعم ليث بن أبى سليم أنهم وجدوا في الكعبة قبل مبعث النبي (صلّى اللَّه عليه و سلّم) بأربعين سنة- إن كان ما ذكر حقا- مكتوبا فيه: من يزرع خيرا يحصد غبطة، و من يزرع شرا يحصد ندامة. يعملون السيئات و يجزون الحسنات؟ أجل كما يجتنى من الشوك العنب.
و قال سعيد بن يحيى الأموي: حدثنا المعتمر بن سليمان الرقى عن عبد اللَّه بن بشر الزهري- يرفع الحديث إلى النبي (صلّى اللَّه عليه و سلّم)- قال: «وجد في المقام ثلاثة أصفح، في الصفح الأول: إني أنا اللَّه