البداية و النهاية - ابن كثير الدمشقي - الصفحة ٧٧ - * ذكر منشأ عيسى بن مريم (عليهما السلام) و مرباه في صغره و صباه و بيان بدء الوحي اليه من اللَّه تعالى
لا يسأل و لا يتمادى [١] و هكذا روى بن عدي من حديث إسماعيل بن عياش عن إسماعيل بن يحيى عن ابن أبى مليكة عمن حدثه عن ابن مسعود و عن مسعد بن كدام عن عطية عن أبى سعيد رفع الحديث في دخول عيسى الى الكتاب و تعليمه المعلم معنى حروف أبى جاد و هو مطول لا يفرح به* ثم قال ابن عدي و هذا الحديث باطل بهذا الاسناد لا يرويه غير إسماعيل و روى ابن لهيعة عن عبد اللَّه بن هبيرة قال كان عبد اللَّه بن عمر يقول (كان عيسى بن مريم و هو غلام يلعب مع الصبيان فكان يقول لأحدهم تريد أن أخبرك ما خبأت لك أمك فيقول نعم فيقول خبأت لك كذا و كذا فيذهب الغلام منهم الى أمه فيقول لها أطعمينى ما خبأت لي فتقول و أي شيء خبأت لك فيقول كذا و كذا فتقول له من أخبرك فيقول عيسى بن مريم فقالوا و اللَّه لئن تركتم هؤلاء الصبيان مع ابن مريم ليفسدنهم فجمعوهم في بيت و أغلقوا عليهم فخرج عيسى يلتمسهم فلم يجدهم فسمع ضوضاءهم في بيت فسأل عنهم فقالوا إنما هؤلاء قردة و خنازير فقال اللَّهمّ كذلك فكانوا كذلك رواه ابن عساكر.
و قال إسحاق بن بشر عن جويبر و مقاتل عن الضحاك عن ابن عباس قال و كان عيسى يرى العجائب في صباه إلهاما من اللَّه ففشا ذلك في اليهود و ترعرع عيسى فهممت به بنو إسرائيل فخافت أمه عليه فأوحى اللَّه الى أمه أن تنطلق به الى أرض مصر فذلك قوله تعالى وَ جَعَلْنَا ابْنَ مَرْيَمَ وَ أُمَّهُ آيَةً وَ آوَيْناهُما إِلى رَبْوَةٍ ذاتِ قَرارٍ وَ مَعِينٍ* و قد اختلف السلف و المفسرون في المراد بهذه الربوة التي ذكر اللَّه من صفتها أنها ذات قرار و معين و هذه صفة غريبة الشكل و هي أنها ربوة و هو المكان المرتفع من الأرض الّذي أعلاه مستو يقر عليه و ارتفاعه متسع و مع علوه فيه عيون الماء معين و هو الجاري السارح على وجه الأرض فقيل المراد المكان الّذي ولدت فيه المسيح و هو نخلة بيت المقدس و لهذا (ناداها مِنْ تَحْتِها أَلَّا تَحْزَنِي قَدْ جَعَلَ رَبُّكِ تَحْتَكِ سَرِيًّا) و هو النهر الصغير في قول جمهور السلف* و عن ابن عباس باسناد جيد انها أنهار دمشق فلعله أراد تشبيه ذلك المكان بأنهار دمشق* و قيل ذلك بمصر كما زعمه من زعمه من أهل الكتاب و من تلقاه عنهم و اللَّه أعلم. و قيل هي الرملة. و قال إسحاق بن بشر قال لنا إدريس عن جده وهب بن منبه قال إن عيسى لما بلغ ثلاث عشرة سنة أمر اللَّه أن يرجع من بلاد مصر الى بيت إيليا قال فقدم عليه يوسف بن خال أمه فحملهما على حمار حتى جاء بهما إلى إيليا و أقام بها حتى أحدث اللَّه له الإنجيل و علمه التوراة و أعطاه احياء الموتى و إبراء الأسقام و العلم بالغيوب مما يدخرون في بيوتهم و تحدث الناس بقدومه و فزعوا لما كان يأتى من العجائب فجعلوا يعجبون منه فدعاهم الى اللَّه ففشا فيهم أمره.
[١] قوله يتمادى كذا بالنسخة الحلبية و في النسخة المصرية (و لا يتمارى)