البداية و النهاية - ابن كثير الدمشقي - الصفحة ٣٥٢
شهدت بأن اللَّه حق و أننى* * * لآلهة الأحجار أول تارك
فشمرت عن ساقى إزار مهاجر* * * إليك أدب الغور بعد الدكادك
لأصحب خير الناس نفسا و والدا* * * رسول مليك الناس فوق الحبائك
فقال النبي (صلّى اللَّه عليه و سلّم): «مرحبا بك يا عمرو بن مرة». فقلت يا رسول اللَّه بأبي أنت و أمى ابعث بى الى قومي، لعل اللَّه أن يمن بى عليهم كما من بك على، فبعثني اليهم و قال: «عليك بالقول السديد و لا تكن فظا و لا متكبرا و لا حسودا» فأتيت قومي فقلت لهم: يا بنى رفاعة ثم يا بنى جهينة إني رسول من رسول اللَّه إليكم أدعوكم إلى الجنة، و أحذركم النار، و آمركم بحقن الدماء، و صلة الأرحام، و عبادة اللَّه، و رفض الأصنام، و حج البيت، و صيام شهر رمضان، شهر من اثني عشر شهرا. فمن أجاب فله الجنة. و من عصى فله النار. يا معشر جهينة إن اللَّه- و له الحمد- جعلكم خيار من أنتم منه و بغض إليكم في جاهليتكم ما حبب إلى غيركم من الرفث، لأنهم كانوا يجمعون بين الأختين، و يخلف الرجل على امرأة أبيه، و الترات في الشهر الحرام. فأجيبوا هذا النبي المرسل (صلّى اللَّه عليه و سلّم) من بنى لؤيّ بن غالب.
تنالوا شرف الدنيا و كرامة الآخرة، سارعوا سارعوا في ذلك يكون لكم فضيلة عند اللَّه. فأجابوا إلا رجلا منهم قام فقال: يا عمرو بن مرة أمر اللَّه عليك عيشك، أ تأمرنا أن نرفض آلهتنا و نفرق جماعتنا بمخالفة دين آبائنا إلى ما يدعو هذا القرشي من أهل تهامة؟ لا و لا مرحبا و لا كرامة، ثم أنشأ يقول:
إن ابن مرة قد أتى بمقالة* * * ليست مقالة من يريد صلاحا
إني لأحسب قوله و فعاله* * * يوما و إن طال الزمان رياحا
أ تسفه الأشياخ ممن قد مضى* * * من رام ذلك لا أصاب فلاحا
فقال عمرو بن مرة: الكاذب منى و منك أمر اللَّه عيشه، و أبكم لسانه، و أكمه بصره. قال عمرو ابن مرة و اللَّه ما مات حتى سقط فوه و كان لا يجد طعم الطعام، و عمى و خرس. و خرج عمرو بن مرة و من أسلم من قومه حتى أتوا النبي (صلّى اللَّه عليه و سلّم)، فرحب بهم و حباهم و كتب لهم كتابا هذه نسخته: «بسم اللَّه الرحمن الرحيم، هذا كتاب من اللَّه على لسان رسول اللَّه بكتاب صادق، و حق ناطق، مع عمرو ابن مرة الجهنيّ لجهينة بن زيد إن لكم بطون الأرض و سهولها، و تلاع الاودية و ظهورها، ترعون نباته و تشربون صافيه. على ان تقروا بالخمس، و تصلوا الصلوات الخمس، و في التبعة و الصريمة شاتان ان اجتمعتا، و ان تفرقتا فشاة شاة. ليس على أهل الميرة صدقة، ليس الوردة اللبقة».
و شهد من حضرنا من المسلمين بكتاب قيس بن شماس رضى اللَّه عنهم. و ذلك حين يقول عمرو بن مرة:
أ لم تر أن اللَّه أظهر دينه* * * و بين برهان القرآن لعامر
كتاب من الرحمن نور لجمعنا* * * و احلافنا في كل باد و حاضر