البداية و النهاية - ابن كثير الدمشقي - الصفحة ٧٦ - * ذكر منشأ عيسى بن مريم (عليهما السلام) و مرباه في صغره و صباه و بيان بدء الوحي اليه من اللَّه تعالى
و على أمه مالا جزيلا فلم يقبلاه و ارتحلا قاصدين بيت المقدس و اللَّه أعلم* و قال إسحاق بن بشر أنبأنا عثمان بن ساج و غيره عن موسى بن وردان عن أبى نضرة عن أبى سعيد و عن مكحول عن أبى هريرة قال إن عيسى بن مريم أول ما أطلق اللَّه لسانه بعد الكلام الّذي تكلم به و هو طفل فمجد اللَّه تمجيدا لم تسمع الآذان بمثله لم يدع شمسا و لا قمرا و لا جبلا و لا نهرا و لا عينا إلا ذكره في تمجيده فقال (اللَّهمّ أنت القريب في علوك المتعال في دنوك الرفيع على كل شيء من خلقك. أنت الّذي خلقت سبعا في الهواء بكلماتك مستويات طباقا اجبن و هن دخان من فرقك فأتين طائعات لأمرك فيهن ملائكتك يسبحون قدسك لتقديسك و جعلت فيهن نورا على سواد الظلام و ضياء من ضوء الشمس بالنهار و جعلت فيهن الرعد المسبح بالحمد فبعزتك يجلو ضوء ظلمتك و جعلت فيهن مصابيح يهتدى بهن في الظلمات الحيران فتباركت اللَّهمّ في مفطور سماواتك و فيما دحوت من أرضك دحوتها على الماء فسمكتها على تيار الموج الغامر فاذللتها إذلال التظاهر فذل لطاعتك صعبها و استحيى لأمرك أمرها و خضعت لعزتك أمواجا ففجرت فيها بعد البحور الأنهار و من بعد الأنهار الجداول الصغار و من بعد الجداول ينابيع العيون الغزار. ثم أخرجت منها الأنهار و الأشجار و الثمار ثم جعلت على ظهرها الجبال فوتدتها أوتادا على ظهر الماء فأطاعت أطوادها و جلمودها فتباركت اللَّهمّ فمن يبلغ بنعته نعتك أمن يبلغ بصفته صفتك تنشر السحاب و تفك الرقاب و تقضى الحق و أنت خير الفاصلين لا إله إلا أنت سبحانك أمرت أن نستغفرك من كل ذنب لا إله إلا أنت سبحانك سترت السموات عن الناس لا إله إلا أنت سبحانك انما يغشاك من عبادك الأكياس نشهد أنك لست بإله استحدثناك و لا رب يبيد ذكره و لا كان معك شركاء فندعوهم و نذكرك و لا أعانك على خلقنا أحد فنشك فيك نشهد أنك أحد صمد لَمْ يَلِدْ وَ لَمْ يُولَدْ وَ لَمْ يَكُنْ لك كفوا أحد و قال إسحاق بن بشر عن جويبر و مقاتل عن الضحاك عن ابن عباس إن عيسى بن مريم أمسك عن الكلام بعد أن كلمهم طفلا حتى بلغ ما يبلغ الغلمان ثم أنطقه اللَّه بعد ذلك الحكمة و البيان فأكثر اليهود فيه و في أمه من القول و كانوا يسمونه ابن البغية و ذلك قوله تعالى وَ بِكُفْرِهِمْ وَ قَوْلِهِمْ عَلى مَرْيَمَ بُهْتاناً عَظِيماً قال فلما بلغ سبع سنين أسلمته أمه في الكتاب فجعل لا يعلمه المعلم شيئا الا بدره اليه فعلمه أبا جاد فقال عيسى ما أبو جاد فقال المعلم لا أدرى فقال عيسى كيف تعلمني ما لا تدري فقال المعلم إذا فعلمني فقال له عيسى فقم من مجلسك فقام فجلس عيسى مجلسه فقال سلني فقال المعلم ما أبو جاد فقال عيسى (الالف آلاء اللَّه. و الباء بهاء اللَّه و الجيم بهجة اللَّه و جماله) فعجب المعلم من ذلك فكان أول من فسر أبا جاد.
ثم ذكر أن عثمان سأل رسول اللَّه (صلّى اللَّه عليه و سلّم) عن ذلك فأجابه على كل كلمة بحديث طويل موضوع