البداية و النهاية - ابن كثير الدمشقي - الصفحة ١٢ - * قصة داود (عليه السلام) و ما كان في أيامه و ذكر فضائله و شمائله و دلائل نبوته و اعلامه
منفردا به عن عبد اللَّه بن محمد عن عبد الرزاق به و لفظه خفف على داود القرآن فكان يأمر بدوا به فتسرج فيقرأ القرآن قبل أن تسرج دوابه و لا يأكل الا من عمل يديه. ثم قال البخاري و رواه موسى ابن عقبة عن صفوان هو ابن سليم عن عطاء بن يسار عن أبى هريرة عن النبي (صلّى اللَّه عليه و سلّم) و قد أسنده ابن عساكر في ترجمة داود (عليه السلام) في تاريخه من طرق عن إبراهيم بن طهمان عن موسى بن عقبة و من طريق أبى عاصم عن أبى بكر السبرى عن صفوان بن سليم به.
و المراد بالقرآن هاهنا الزبور الّذي أنزله عليه و أوحاه اليه و ذكر رواية أشبه أن يكون محفوظا فإنه كان ملكا له اتباع فكان يقرأ الزبور بمقدار ما تسرج الدواب و هذا أمر سريع مع التدبر و الترنم و التغني به على وجه التخشع (صلوات اللَّه و سلامه عليه) و قد قال اللَّه تعالى وَ آتَيْنا داوُدَ زَبُوراً و الزبور كتاب مشهور و ذكرنا في التفسير الحديث الّذي رواه أحمد و غيره أنه أنزل في شهر رمضان و فيه من المواعظ و الحكم ما هو معروف لمن نظر فيه* و قوله (وَ شَدَدْنا مُلْكَهُ وَ آتَيْناهُ الْحِكْمَةَ وَ فَصْلَ الْخِطابِ) أي أعطيناه ملكا عظيما و حكما نافذا. روى ابن جرير و ابن أبى حاتم عن ابن عباس أن رجلين تداعيا الى داود (عليه السلام) في بقر ادعى أحدهما على الأخر أنه اغتصبها منه فأنكر المدعى عليه فأرجأ أمرهما الى الليل فلما كان الليل أوحى اللَّه اليه أن يقتل المدعى فلما أصبح قال له داود ان اللَّه قد أوحى الى أن أقتلك فانا قاتلك لا محالة فما خبرك فيما أدعيته على هذا قال و اللَّه يا نبي اللَّه انى لمحق فيما ادعيت عليه و لكنى كنت اغتلت أباه قبل هذا فأمر به داود فقتل فعظم أمر داود في بنى إسرائيل جدا و خضعوا له خضوعا عظيما. قال ابن عباس و هو قوله تعالى وَ شَدَدْنا مُلْكَهُ و قوله تعالى وَ آتَيْناهُ الْحِكْمَةَ أي النبوة و فصل الخطاب قال شريح و الشعبي و قتادة و أبو عبد الرحمن السلمي و غيرهم فصل الخطاب الشهود و الأيمان يعنون بذلك البينة على المدعى و اليمين على من أنكر. و قال مجاهد و السدي هو اصابة القضاء و فهمه. و قال مجاهد هو الفصل في الكلام و في الحكم و اختاره ابن جرير و هذا لا ينافي ما روى عن أبى موسى أنه قول (اما بعد). و قال وهب بن منبه لما كثر الشر و شهادات الزور في بنى إسرائيل أعطى داود سلسلة لفصل القضاء فكانت ممدودة من السماء الى صخرة بيت المقدس و كانت من ذهب فإذا تشاجر الرجلان في حق فأيهما كان محقا نالها و الآخر لا يصل اليها فلم تزل كذلك حتى أودع رجل رجلا لؤلؤة فجحدها منه و اتخذ عكازا و أودعها فيه فلما حضرا عند الصخرة تناولها المدعى فلما قيل للآخر خذها بيدك عمد الى العكاز فأعطاه المدعى و فيه تلك اللؤلؤة و قال اللَّهمّ انك تعلم أنى دفعتها اليه ثم تناول السلسلة فنالها فأشكل أمرها على بنى إسرائيل. ثم رفعت سريعا من بينهم. ذكره بمعناه غير واحد من المفسرين. و قد رواه إسحاق بن بشر عن إدريس ابن سنان عن وهب به بمعناه (وَ هَلْ أَتاكَ نَبَأُ الْخَصْمِ إِذْ تَسَوَّرُوا الْمِحْرابَ إِذْ دَخَلُوا عَلى داوُدَ فَفَزِعَ مِنْهُمْ