البداية و النهاية - ابن كثير الدمشقي - الصفحة ٢٦ - قصة سليمان بن داود (عليهما السلام)
ابن عبد الرحمن عن عائشة قالت قدم رسول اللَّه (صلّى اللَّه عليه و سلّم) من غزوة تبوك أو خيبر و في سهوتها ستر فهبت الريح فكشفت ناحية الستر عن بنات لعائشة تلعب فقال ما هذا يا عائشة فقالت بناتي و رأى بينهن فرسا له جناحان من رقاع فقال ما هذا الّذي أرى وسطهن قالت فرس قال و ما الّذي عليه هذا قالت جناحان قال فرس له جناحان قالت أما سمعت أن لسليمان خيلا لها أجنحة قالت فضحك حتى رأيت نواجذه (صلّى اللَّه عليه و سلّم).
و قال بعض العلماء لما ترك الخيل للَّه عوضه اللَّه عنها بما هو خير له منها و هو الريح التي كانت غدوها شهرا و رواحها شهرا كما سيأتي الكلام عليها كما
قال الامام احمد حدثنا إسماعيل حدثنا سليمان بن المغيرة عن حميد بن هلال عن أبى قتادة و أبى الدهماء و كانا يكثران السفر نحو البيت قالا أتينا على رجل من أهل البادية فقال البدوي أخذ بيدي رسول اللَّه (صلّى اللَّه عليه و سلّم) فجعل يعلمني مما علمه اللَّه عز و جل و قال انك لا تدع شيئا اتقاء اللَّه عز و جل الا أعطاك اللَّه خيرا منه.
و قوله تعالى وَ لَقَدْ فَتَنَّا سُلَيْمانَ وَ أَلْقَيْنا عَلى كُرْسِيِّهِ جَسَداً ثُمَّ أَنابَ. ذكر ابن جرير و ابن أبى حاتم و غيرهما من المفسرين هاهنا آثارا كثيرة عن جماعة من السلف و أكثرها أو كلها متلقاة من الإسرائيليات و في كثير منها نكارة شديدة و قد نبهنا على ذلك في كتابنا التفسير و اقتصرنا هاهنا على مجرد التلاوة و مضمون ما ذكروه أن سليمان (عليه السلام) غاب عن سريره أربعين يوما ثم عاد اليه و لما عاد أمر ببناء بيت المقدس فبناه بناء محكما. و قد قدمنا أنه جدده
و أن أول من جعله مسجدا إسرائيل (عليه السلام) كما ذكرنا ذلك عند قول أبى ذر قلت يا رسول اللَّه أي مسجد وضع أول قال المسجد الحرام قلت ثم أي قال مسجد بيت المقدس قلت كم بينهما قال أربعون سنة
و معلوم أن بين إبراهيم الّذي بنى المسجد الحرام و بين سليمان بن داود (عليهما السلام) أزيد من ألف سنة دع أربعين سنة و كان سؤاله الملك الّذي لا ينبغي لأحد من بعده بعد إكماله البيت المقدس كما
قال الامام احمد و النسائي و ابن ماجة و ابن خزيمة و ابن حبان و الحاكم بأسانيدهم عن عبد اللَّه بن فيروز الديلميّ عن عبد اللَّه ابن عمرو ابن العاص قال قال رسول اللَّه (صلّى اللَّه عليه و سلّم) إن سليمان لما بنى بيت المقدس سأل ربه عز و جل خلالا ثلاثا فأعطاه اثنتين و نحن نرجو أن تكون لنا الثالثة سأله حكما يصادف حكمه فأعطاه إياه و سأله ملكا لا ينبغي لأحد من بعده فأعطاه إياه و سأله ايما رجل خرج من بيته لا يريد الا الصلاة في هذا المسجد خرج من خطيئته مثل يوم ولدته أمه فنحن نرجو أن يكون اللَّه قد أعطانا إياها.
فاما الحكم الّذي يوافق حكم اللَّه تعالى فقد أثنى اللَّه تعالى عليه و على أبيه في قوله (وَ داوُدَ وَ سُلَيْمانَ إِذْ يَحْكُمانِ فِي الْحَرْثِ إِذْ نَفَشَتْ فِيهِ غَنَمُ الْقَوْمِ وَ كُنَّا لِحُكْمِهِمْ شاهِدِينَ فَفَهَّمْناها سُلَيْمانَ وَ كُلًّا آتَيْنا حُكْماً وَ عِلْماً) و قد ذكر شريح القاضي و غير واحد من السلف أن هؤلاء القوم كان لهم كرم فنفشت فيه غنم قوم آخرين أي رعته بالليل فأكلت شجره بالكلية فتحاكموا الى داود (عليه السلام) فحكم لأصحاب الكرم بقيمته فلما خرجوا على سليمان قال بما حكم لكم نبي اللَّه فقالوا بكذا و كذا فقال أما لو كنت أنا لما حكمت الا بتسليم الغنم الى أصحاب الكرم فيستغلونها نتاجا و درا حتى