البداية و النهاية - ابن كثير الدمشقي - الصفحة ١١٧ - قصة الرجلين المؤمن و الكافر
لوهاه فدل على ما قلناه و لما كان النزاع في مثل هذا لا طائل تحته و لا جدوى عنده أرشد نبيه (صلّى اللَّه عليه و سلّم) الى الأدب في مثل هذا الحال إذا اختلف الناس فيه أن يقول اللَّه أعلم. و لهذا قال (قُلْ رَبِّي أَعْلَمُ بِعِدَّتِهِمْ) و قوله (ما يَعْلَمُهُمْ إِلَّا قَلِيلٌ) أي من الناس فلا تمار فيهم إلا مراء ظاهرا) أي سهلا و لا تتكلف اعمال الجدال في مثل هذا الحال و لا تستفت في أمرهم أحدا من الرجال و لهذا أبهم تعالى عدتهم في أول القصة فقال (إِنَّهُمْ فِتْيَةٌ آمَنُوا بِرَبِّهِمْ) و لو كان في تعين عدتهم كبير فائدة لذكرها عالم الغيب و الشهادة و قوله تعالى وَ لا تَقُولَنَّ لِشَيْءٍ إِنِّي فاعِلٌ ذلِكَ غَداً إِلَّا أَنْ يَشاءَ اللَّهُ وَ اذْكُرْ رَبَّكَ إِذا نَسِيتَ وَ قُلْ عَسى أَنْ يَهْدِيَنِ رَبِّي لِأَقْرَبَ مِنْ هذا رَشَداً أدب عظيم أرشده اللَّه تعالى اليه و حث خلقه عليه و هو ما إذا قال أحدهم انى سأفعل في المستقبل كذا فيشرع له ان يقول ان شاء اللَّه ليكون ذلك تحقيقا لعزمه لان العبد لا يعلم ما في غد و لا يدرى أ هذا الّذي عزم عليه مقدر أم لا و ليس هذا الاستثناء تعليقا و انما هو الحقيقي و لهذا قال ابن عباس يصح الى سنة و لكن قد يكون في بعض المحال لهذا و لهذا كما تقدم في قصة سليمان (عليه السلام) حين قال لأطوفن الليلة على سبعين امرأة تلد كل واحدة منهن غلاما يقاتل في سبيل اللَّه فقيل له قل ان شاء اللَّه فلم يقل فطاف فلم تلد منهن إلا امرأة واحدة نصف إنسان
قال رسول اللَّه (صلّى اللَّه عليه و سلّم) و الّذي نفسي بيده لو قال ان شاء اللَّه لم يحنث و كان دركا لحاجته.
و قوله (وَ اذْكُرْ رَبَّكَ إِذا نَسِيتَ) و ذلك لان النسيان قد يكون من الشيطان فذكر اللَّه يطرده عن القلب فيذكر ما كان قد نسيه. و قوله (وَ قُلْ عَسى أَنْ يَهْدِيَنِ رَبِّي لِأَقْرَبَ مِنْ هذا رَشَداً) أي إذا اشتبه أمر و أشكل حال و التبس أقوال الناس في شيء فارغب إلى اللَّه ييسره لك و يسهله عليك ثم قال (وَ لَبِثُوا فِي كَهْفِهِمْ ثَلاثَ مِائَةٍ سِنِينَ وَ ازْدَادُوا تِسْعاً). لما كان في الاخبار بطول مدة لبثهم فائدة عظيمة ذكرها تعالى و هذه التسع المزيدة بالقمرية و هي لتكميل ثلاثمائة شمسية فان كل مائة قمرية تنقص عن الشمسية ثلاث سنين (قُلِ اللَّهُ أَعْلَمُ بِما لَبِثُوا) أي إذا سئلت عن مثل هذا و ليس عندك في ذلك نقل فرد الأمر في ذلك الى اللَّه عز و جل (لَهُ غَيْبُ السَّماواتِ وَ الْأَرْضِ) أي هو العالم بالغيب فلا يطلع عليه إلا من شاء من خلقه (أَبْصِرْ بِهِ وَ أَسْمِعْ) يعنى أنه يضع الأشياء في محالها لعلمه التام بخلقه و بما يستحقونه ثم قال (ما لَهُمْ مِنْ دُونِهِ مِنْ وَلِيٍّ وَ لا يُشْرِكُ فِي حُكْمِهِ أَحَداً) أي ربك المنفرد بالملك و المنصرف وحده لا شريك له.
قصة الرجلين المؤمن و الكافر
قال اللَّه تعالى في سورة الكهف بعد قصة أهل الكهف وَ اضْرِبْ لَهُمْ مَثَلًا رَجُلَيْنِ جَعَلْنا لِأَحَدِهِما جَنَّتَيْنِ مِنْ أَعْنابٍ وَ حَفَفْناهُما بِنَخْلٍ وَ جَعَلْنا بَيْنَهُما زَرْعاً كِلْتَا الْجَنَّتَيْنِ آتَتْ أُكُلَها وَ لَمْ تَظْلِمْ مِنْهُ شَيْئاً وَ فَجَّرْنا خِلالَهُما نَهَراً وَ كانَ لَهُ ثَمَرٌ فَقالَ لِصاحِبِهِ وَ هُوَ يُحاوِرُهُ أَنَا أَكْثَرُ مِنْكَ مالًا وَ أَعَزُّ نَفَراً وَ دَخَلَ جَنَّتَهُ