البداية و النهاية - ابن كثير الدمشقي - الصفحة ٢١ - قصة سليمان بن داود (عليهما السلام)
قالَتْ يا أَيُّهَا الْمَلَأُ إِنِّي أُلْقِيَ إِلَيَّ كِتابٌ كَرِيمٌ إِنَّهُ مِنْ سُلَيْمانَ وَ إِنَّهُ بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ أَلَّا تَعْلُوا عَلَيَّ وَ أْتُونِي مُسْلِمِينَ قالَتْ يا أَيُّهَا الْمَلَأُ أَفْتُونِي فِي أَمْرِي ما كُنْتُ قاطِعَةً أَمْراً حَتَّى تَشْهَدُونِ قالُوا نَحْنُ أُولُوا قُوَّةٍ وَ أُولُوا بَأْسٍ شَدِيدٍ وَ الْأَمْرُ إِلَيْكِ فَانْظُرِي ما ذا تَأْمُرِينَ. قالَتْ إِنَّ الْمُلُوكَ إِذا دَخَلُوا قَرْيَةً أَفْسَدُوها وَ جَعَلُوا أَعِزَّةَ أَهْلِها أَذِلَّةً وَ كَذلِكَ يَفْعَلُونَ وَ إِنِّي مُرْسِلَةٌ إِلَيْهِمْ بِهَدِيَّةٍ فَناظِرَةٌ بِمَ يَرْجِعُ الْمُرْسَلُونَ فَلَمَّا جاءَ سُلَيْمانَ قالَ أَ تُمِدُّونَنِ بِمالٍ فَما آتانِيَ اللَّهُ خَيْرٌ مِمَّا آتاكُمْ بَلْ أَنْتُمْ بِهَدِيَّتِكُمْ تَفْرَحُونَ. ارْجِعْ إِلَيْهِمْ فَلَنَأْتِيَنَّهُمْ بِجُنُودٍ لا قِبَلَ لَهُمْ بِها وَ لَنُخْرِجَنَّهُمْ مِنْها أَذِلَّةً وَ هُمْ صاغِرُونَ يذكر تعالى ما كان من أمر سليمان و الهدهد و ذلك أن الطيور كان على كل صنف منها مقدمون يقدمون بما يطلب منهم و يحضرون عنده بالنوبة كما هي عادة الجنود مع الملوك و كانت وظيفة الهدهد على ما ذكره ابن عباس و غيره أنهم كانوا إذا اعوزوا الماء في القفار في حال الاسفار يجيء فينظر لهم هل بهذه البقاع من ماء و فيه من القوة التي أودعها اللَّه تعالى فيه أن ينظر الى الماء تحت تخوم الأرض فإذا دلهم عليه حفروا عنه و استنبطوه و أخرجوه و استعملوه لحاجتهم فلما تطلبه سليمان (عليه السلام) ذات يوم فقده و لم يجده في موضعه من محل خدمته (فَقالَ ما لِيَ لا أَرَى الْهُدْهُدَ أَمْ كانَ مِنَ الْغائِبِينَ) أي ما له مفقود من هاهنا أو قد غاب عن بصرى فلا أراه بحضرتي (لَأُعَذِّبَنَّهُ عَذاباً شَدِيداً) توعده بنوع من العذاب* اختلف المفسرون فيه و المقصود حاصل على كل تقدير (أَوْ لَأَذْبَحَنَّهُ أَوْ لَيَأْتِيَنِّي بِسُلْطانٍ مُبِينٍ) أي بحجة تنجيه من هذه الورطة. قال اللَّه تعالى (فَمَكَثَ غَيْرَ بَعِيدٍ) أي فغاب الهدهد غيبة ليست بطويلة ثم قدم منها (فقال) لسليمان (أَحَطْتُ بِما لَمْ تُحِطْ بِهِ) أي اطلعت على ما لم تطلع عليه (وَ جِئْتُكَ مِنْ سَبَإٍ بِنَبَإٍ يَقِينٍ) أي بخبر صادق (إِنِّي وَجَدْتُ امْرَأَةً تَمْلِكُهُمْ وَ أُوتِيَتْ مِنْ كُلِّ شَيْءٍ وَ لَها عَرْشٌ عَظِيمٌ) يذكر ما كان عليه ملوك سبإ في بلاد اليمن من المملكة العظيمة و التبابعة المتوجين و كان الملك قد آل في ذلك الزمان الى امرأة منهم ابنة ملكهم لم يخلف غيرها فملكوها عليهم.
و ذكر الثعلبي و غيره أن قومها ملكوا عليهم بعد أبيها رجلا فعم به الفساد فأرسلت اليه تخطبه فتزوجها فلما دخلت عليه سقته خمرا ثم حزت رأسه و نصبته على بابها فاقبل الناس عليها و ملكوها عليهم و هي بلقيس بنت السيرح و هو الهدهاد. و قيل شراحيل بن ذي جدن بن السيرح بن الحرث بن قيس ابن صيفي بن سبا بن يشجب بن يعرب بن قحطان و كان أبوها من أكابر الملوك و كان يأبى أن يتزوج من أهل اليمن فيقال إنه تزوج بامرأة من الجن اسمها ريحانة بنت السكن فولدت له هذه المرأة و اسمها تلقمة و يقال لها بلقيس. و قد
روى الثعلبي من طريق سعيد بن بشير عن قتادة عن النضر بن انس عن بشير بن نهيك عن أبى هريرة عن النبي (صلّى اللَّه عليه و سلّم) أنه قال كان أحد أبوي بلقيس جنيا.
و هذا حديث غريب و في سنده ضعف. و
قال الثعلبي أخبرني أبو عبد اللَّه بن قبحونة حدثنا أبو بكر بن جرجة حدثنا ابن أبى الليث حدثنا أبو كريب حدثنا أبو معاوية عن إسماعيل بن مسلم عن الحسن عن أبى بكرة قال ذكرت بلقيس