البداية و النهاية - ابن كثير الدمشقي - الصفحة ٥٨ - قصة عيسى بن مريم عبد اللَّه و رسوله و ابن أمته عليه من اللَّه أفضل الصلاة و السلام
الى المسجد فسلمتها الى العباد الذين هم مقيمون به و كانت ابنة امامهم و صاحب صلاتهم فتنازعوا فيها. و الظاهر انها انما سلمتها اليهم بعد رضاعها و كفالة مثلها في صغرها. ثم لما دفعتها اليهم تنازعوا في أيهم يكفلها و كان زكريا نبيهم في ذلك الزمان و قد أراد أن يستبد بها دونهم من أجل أن زوجته أختها أو خالتها على القولين فشاحوه في ذلك و طلبوا أن يقترع معهم فساعدته المقادير فخرجت قرعته غالبة لهم و ذلك أن الخالة بمنزلة الأم. قال اللَّه تعالى وَ كَفَّلَها زَكَرِيَّا أي بسبب غلبه لهم في القرعة كما قال تعالى ذلِكَ مِنْ أَنْباءِ الْغَيْبِ نُوحِيهِ إِلَيْكَ وَ ما كُنْتَ لَدَيْهِمْ إِذْ يُلْقُونَ أَقْلامَهُمْ أَيُّهُمْ يَكْفُلُ مَرْيَمَ وَ ما كُنْتَ لَدَيْهِمْ إِذْ يَخْتَصِمُونَ. قالوا و ذلك أن كلا منهم ألقى قلمه معروفا به ثم حملوها و وضعوها في موضع و أمروا غلاما لم يبلغ الحنث فاخرج واحدا منها و ظهر قلم زكريا (عليه السلام) فطلبوا أن يقترعوا مرة ثانية و أن يكون ذلك بان يلقوا أقلامهم في النهر فأيهم جرى قلمه على خلاف جريه في الماء فهو الغالب ففعلوا فكان قلم زكريا هو الّذي جرى على خلاف جرية الماء و سارت أقلامهم مع الماء ثم طلبوا منه أن يقترعوا ثالثة فأيهم جرى قلمه مع الماء و يكون بقية الأقلام قد انعكس سيرها صعدا فهو الغالب ففعلوا فكان زكريا هو الغالب لهم فكفلها إذ كان أحق بها شرعا و قدرا لوجوه عديدة. قال اللَّه تعالى كُلَّما دَخَلَ عَلَيْها زَكَرِيَّا الْمِحْرابَ وَجَدَ عِنْدَها رِزْقاً قالَ يا مَرْيَمُ أَنَّى لَكِ هذا قالَتْ هُوَ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ يَرْزُقُ مَنْ يَشاءُ بِغَيْرِ حِسابٍ قال المفسرون اتخذ لها زكريا مكانا شريفا من المسجد لا يدخله سواها فكانت تعبد اللَّه فيه و تقوم بما يجب عليها من سدانة البيت إذا جاءت نوبتها و تقوم بالعبادة ليلها و نهارها حتى صارت يضرب بها المثل بعبادتها في بنى إسرائيل و اشتهرت بما ظهر عليها من الأحوال الكريمة و الصفات الشريفة حتى انه كان نبي اللَّه زكريا كلما دخل عليها موضع عبادتها يجد عندها رزقا غريبا في غير أوانه فكان يجد عندها فاكهة الصيف في الشتاء و فاكهة الشتاء في الصيف فيسألها (أَنَّى لَكِ هذا فتقول هُوَ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ) أي رزق رزقنيه اللَّه إن اللَّه يرزق من يشاء بغير حساب فعند ذلك و هنالك طمع زكريا في وجود ولد من صلبه و ان كان قد أسن و كبر (قالَ رَبِّ هَبْ لِي مِنْ لَدُنْكَ ذُرِّيَّةً طَيِّبَةً إِنَّكَ سَمِيعُ الدُّعاءِ). قال بعضهم قال يا من يرزق مريم الثمر في غير أوانه هب لي ولدا و ان كان في غير أوانه فكان من خبره و قضيته ما قدمنا ذكره في قصته.
(إِذْ قالَتِ الْمَلائِكَةُ يا مَرْيَمُ إِنَّ اللَّهَ اصْطَفاكِ وَ طَهَّرَكِ وَ اصْطَفاكِ عَلى نِساءِ الْعالَمِينَ. يا مَرْيَمُ اقْنُتِي لِرَبِّكِ وَ اسْجُدِي وَ ارْكَعِي مَعَ الرَّاكِعِينَ. ذلِكَ مِنْ أَنْباءِ الْغَيْبِ نُوحِيهِ إِلَيْكَ وَ ما كُنْتَ لَدَيْهِمْ إِذْ يُلْقُونَ أَقْلامَهُمْ أَيُّهُمْ يَكْفُلُ مَرْيَمَ وَ ما كُنْتَ لَدَيْهِمْ إِذْ يَخْتَصِمُونَ. إِذْ قالَتِ الْمَلائِكَةُ يا مَرْيَمُ إِنَّ اللَّهَ يُبَشِّرُكِ بِكَلِمَةٍ مِنْهُ اسْمُهُ الْمَسِيحُ عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ وَجِيهاً فِي الدُّنْيا وَ الْآخِرَةِ وَ مِنَ الْمُقَرَّبِينَ. وَ يُكَلِّمُ النَّاسَ فِي الْمَهْدِ وَ كَهْلًا وَ مِنَ الصَّالِحِينَ. قالَتْ رَبِّ أَنَّى يَكُونُ لِي وَلَدٌ وَ لَمْ يَمْسَسْنِي بَشَرٌ قالَ كَذلِكِ اللَّهُ يَخْلُقُ ما يَشاءُ إِذا قَضى أَمْراً فَإِنَّما يَقُولُ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ. وَ يُعَلِّمُهُ الْكِتابَ وَ الْحِكْمَةَ وَ التَّوْراةَ وَ الْإِنْجِيلَ وَ رَسُولًا إِلى بَنِي إِسْرائِيلَ أَنِّي قَدْ