البداية و النهاية - ابن كثير الدمشقي - الصفحة ١٠ - * قصة داود (عليه السلام) و ما كان في أيامه و ذكر فضائله و شمائله و دلائل نبوته و اعلامه
محمد بن إسحاق عن بعض أهل العلم عن وهب بن منبه كان داود (عليه السلام) قصيرا أزرق العينين قليل الشعر طاهر القلب و نقيه. تقدم أنه لما قتل جالوت و كان قتله له فيما ذكر ابن عساكر عند قصر أم حكيم بقرب مرج الصفر فأحبته بنو إسرائيل و مالوا اليه و الى ملكه عليهم فكان من أمر طالوت ما كان و صار الملك الى داود (عليه السلام) و جمع اللَّه له بين الملك و النبوة بين خير الدنيا و الآخرة و كان الملك يكون في سبط و النبوة في آخر فاجتمع في داود هذا و هذا كما قال تعالى وَ قَتَلَ داوُدُ جالُوتَ وَ آتاهُ اللَّهُ الْمُلْكَ وَ الْحِكْمَةَ وَ عَلَّمَهُ مِمَّا يَشاءُ. وَ لَوْ لا دَفْعُ اللَّهِ النَّاسَ بَعْضَهُمْ بِبَعْضٍ لَفَسَدَتِ الْأَرْضُ وَ لكِنَّ اللَّهَ ذُو فَضْلٍ عَلَى الْعالَمِينَ أي لو لا اقامة الملوك حكاما على الناس لأكل قوى الناس ضعيفهم. و لهذا جاء في بعض الآثار (السلطان ظل اللَّه في أرضه). و قال أمير المؤمنين عثمان بن عفان (ان اللَّه ليزع بالسلطان ما لا يزع بالقرآن). و قد ذكر ابن جرير في تاريخه أن جالوت لما بارز طالوت فقال له اخرج الى و اخرج إليك فندب طالوت الناس فانتدب داود فقتل جالوت. قال وهب بن منبه فمال الناس الى داود حتى لم يكن لطالوت ذكر و خلعوا طالوت و ولوا عليهم داود* و قيل ان ذلك عن أمر شمويل حتى قال بعضهم إنه ولاه قبل الواقعة. قال ابن جرير و الّذي عليه الجمهور انه انما ولى ذلك بعد قتل جالوت و اللَّه أعلم* و روى ابن عساكر عن سعيد بن عبد العزيز ان قتله جالوت كان عند قصر أم حكيم و ان النهر الّذي هناك هو المذكور في الآية فاللَّه أعلم* و قال تعالى وَ لَقَدْ آتَيْنا داوُدَ مِنَّا فَضْلًا يا جِبالُ أَوِّبِي مَعَهُ وَ الطَّيْرَ وَ أَلَنَّا لَهُ الْحَدِيدَ أَنِ اعْمَلْ سابِغاتٍ وَ قَدِّرْ فِي السَّرْدِ وَ اعْمَلُوا صالِحاً إِنِّي بِما تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ و قال تعالى وَ سَخَّرْنا مَعَ داوُدَ الْجِبالَ يُسَبِّحْنَ وَ الطَّيْرَ وَ كُنَّا فاعِلِينَ. وَ عَلَّمْناهُ صَنْعَةَ لَبُوسٍ لَكُمْ لِتُحْصِنَكُمْ مِنْ بَأْسِكُمْ فَهَلْ أَنْتُمْ شاكِرُونَ. أعانه اللَّه على عمل المروع من الحديد ليحصن المقاتلة من الأعداء و أرشده الى صنعتها و كيفيتها فقال (وَ قَدِّرْ فِي السَّرْدِ) أي لا تدق المسمار فيغلق و لا تغلظه فيفصم قاله مجاهد و قتادة و الحكم و عكرمة.
قال الحسن البصري و قتادة و الأعمش كان اللَّه قد ألان له الحديد حتى كان يفتله بيده لا يحتاج الى نار و لا مطرقة. قال قتادة فكان أول من عمل الدروع من زرد و انما كانت قبل ذلك من صفائح قال ابن شوذب كان يعمل كل يوم درعا يبيعها بستة آلاف درهم و قد ثبت في الحديث أن أطيب ما أكل الرجل من كسبه و ان نبي اللَّه داود كان يأكل من كسب يده و قال تعالى وَ اذْكُرْ عَبْدَنا داوُدَ ذَا الْأَيْدِ إِنَّهُ أَوَّابٌ. إِنَّا سَخَّرْنَا الْجِبالَ مَعَهُ يُسَبِّحْنَ بِالْعَشِيِّ وَ الْإِشْراقِ وَ الطَّيْرَ مَحْشُورَةً كُلٌّ لَهُ أَوَّابٌ وَ شَدَدْنا مُلْكَهُ وَ آتَيْناهُ الْحِكْمَةَ وَ فَصْلَ الْخِطابِ قال ابن عباس و مجاهد الأيد القوة في الطاعة يعنى ذا قوة في العبادة و العمل الصالح قال قتادة اعطى قوة في العبادة و فقها في الإسلام قال و قد ذكر لنا أنه كان يقوم الليل و يصوم نصف الدهر. و قد ثبت
في الصحيحين أن رسول اللَّه (صلّى اللَّه عليه و سلّم) قال (أحب الصلاة الى اللَّه صلاة داود