البداية و النهاية - ابن كثير الدمشقي - الصفحة ٣٤ - ذكر خراب بيت المقدس
ذكر خراب بيت المقدس
و قوله تعالى وَ آتَيْنا مُوسَى الْكِتابَ وَ جَعَلْناهُ هُدىً لِبَنِي إِسْرائِيلَ أَلَّا تَتَّخِذُوا مِنْ دُونِي وَكِيلًا ذُرِّيَّةَ مَنْ حَمَلْنا مَعَ نُوحٍ إِنَّهُ كانَ عَبْداً شَكُوراً. وَ قَضَيْنا إِلى بَنِي إِسْرائِيلَ فِي الْكِتابِ لَتُفْسِدُنَّ فِي الْأَرْضِ مَرَّتَيْنِ وَ لَتَعْلُنَّ عُلُوًّا كَبِيراً. فَإِذا جاءَ وَعْدُ أُولاهُما بَعَثْنا عَلَيْكُمْ عِباداً لَنا أُولِي بَأْسٍ شَدِيدٍ فَجاسُوا خِلالَ الدِّيارِ وَ كانَ وَعْداً مَفْعُولًا. ثُمَّ رَدَدْنا لَكُمُ الْكَرَّةَ عَلَيْهِمْ وَ أَمْدَدْناكُمْ بِأَمْوالٍ وَ بَنِينَ وَ جَعَلْناكُمْ أَكْثَرَ نَفِيراً. إِنْ أَحْسَنْتُمْ أَحْسَنْتُمْ لِأَنْفُسِكُمْ وَ إِنْ أَسَأْتُمْ فَلَها فَإِذا جاءَ وَعْدُ الْآخِرَةِ لِيَسُوؤُا وُجُوهَكُمْ وَ لِيَدْخُلُوا الْمَسْجِدَ كَما دَخَلُوهُ أَوَّلَ مَرَّةٍ وَ لِيُتَبِّرُوا ما عَلَوْا تَتْبِيراً. عَسى رَبُّكُمْ أَنْ يَرْحَمَكُمْ وَ إِنْ عُدْتُمْ عُدْنا وَ جَعَلْنا جَهَنَّمَ لِلْكافِرِينَ حَصِيراً و قال وهب بن منبه أوحى اللَّه الى نبي من أنبياء بنى إسرائيل يقال له أرميا حين ظهرت فيهم المعاصي أن قم بين ظهراني قومك فأخبرهم أن لهم قلوبا و لا يفقهون و أعينا و لا يبصرون و آذانا و لا يسمعون و انى تذكرت صلاح آبائهم فعطفني ذلك على أبنائهم فسلهم كيف وجدوا غب طاعتي و هل سعد أحد ممن عصاني بمعصيتي و هل شقي أحد ممن أطاعنى بطاعتي إن الدواب تذكر أوطانها فتنزع اليها و ان هؤلاء القوم تركوا الأمر الّذي أكرمت عليه آباءهم و التمسوا الكرامة من غير وجهها أما أحبارهم فأنكروا حقي و أما قراؤهم فعبدوا غيري و أما نساكهم فلم ينتفعوا بما علموا و أما ولاتهم فكذبوا على و على رسلي. خزنوا المكر في قلوبهم و عودوا الكذب ألسنتهم. و إني أقسم بجلالي و عزتي لاهيجن عليهم جيولا لا يفقهون ألسنتهم و لا يعرفون وجوههم و لا يرحمون بكاءهم و لأبعثن فيهم ملكا جبارا قاسيا له عساكر كقطع السحاب و مواكب كأمثال الفجاج كان خفقان راياته طيران النسور و كان حمل فرسانه كر العقبان يعيدون العمران خرابا و يتركون القرى وحشة فيا ويل إيليا و سكانها كيف أذللهم للقتل و أسلط عليهم السبا و أعيد بعد لجب الأعراس صراخا و بعد صهيل الخيل عواء الذئاب و بعد شرافات القصور مساكن السباع و بعد ضوء السرج و هج العجاج و بالعز ذلا و بالنعمة العبوديّة و أبدلن نساءهم بعد الطيب التراب. و بالمشي على الزرابي الخبب و لأجعلن أجسادهم زبلا للأرض و عظامهن ضاحية للشمس و لأدوسنهم بألوان العذاب ثم لآمرن السماء فتكون طبقا من حديد و الأرض سبيكة من نحاس فان أمطرت لم تنبت الأرض و ان أنبتت شيئا في خلال ذلك فبرحمتي للبهائم. ثم أحبسه في زمان الزرع و أرسله في زمان الحصاد فان زرعوا في خلال ذلك شيئا سلطت عليه الآفة فان خلص منه شيء نزعت منه البركة فان دعوني لم أجبهم و ان سألوا لم أعطهم و ان بكوا لم أرحمهم و ان تضرعوا صرفت وجهي عنهم. رواه ابن عساكر بهذا اللفظ.
و قال إسحاق بن بشر أنبأنا إدريس عن وهب بن منبه قال ان اللَّه تعالى لما بعث أرميا الى بنى إسرائيل و ذلك حين عظمت الاحداث فيهم فعملوا بالمعاصي و قتلوا الأنبياء طمع نصر فيهم و قذف