البداية و النهاية - ابن كثير الدمشقي - الصفحة ٣٥ - ذكر خراب بيت المقدس
اللَّه في قلبه و حدث نفسه بالمسير اليهم لما أراد اللَّه أن ينتقم به منهم فأوحى اللَّه الى أرميا إني مهلك بنى إسرائيل و منتقم منهم فقم على صخرة بيت المقدس يأتيك أمرى و وحيي فقام أرميا فشق ثيابة و جعل الرماد على رأسه و خر ساجدا و قال يا رب وددت أمى لم تلدني حين جعلتني آخر أنبياء بنى إسرائيل فيكون خراب بيت المقدس و بوار بنى إسرائيل من أجلى فقال له ارفع رأسك فرفع رأسه فبكى ثم قال يا رب من تسلط عليهم فقال عبدة النيران لا يخافون عقابي و لا يرجون ثوابي قم يا أرميا فاستمع وحيي أخبرك خبرك و خبر بنى إسرائيل. من قيل أن أخلقك اخترتك. و من قبل أن أصورك في رحم أمك قدستك و من قبل أن أخرجك من بطن أمك طهرتك و من قبل أن تبلغ نبأتك و من قبل أن تبلغ الأشد اخترتك و لأمر عظيم اجتبيتك فقم مع الملك تسدده و ترشده فكان مع الملك يسدده و يأتيه الوحي من اللَّه حتى عظمت الاحداث و نسوا ما نجاهم اللَّه به من عدوهم سنحاريب و جنوده فأوحى اللَّه الى أرميا قم فاقصص عليهم ما آمرك به و ذكرهم نعمتي عليهم و عرفهم أحداثهم فقال أرميا (يا رب انى ضعيف إن لم تقونى عاجز إن لم تبلغني مخطئ إن لم تسددني مخذول إن لم تنصرني ذليل إن لم تعزني) فقال اللَّه تعالى (أو لم تعلم أن الأمور كلها تصدر عن مشيئتى و أن الخلق و الأمر كله لي و أن القلوب و الألسنة كلها بيدي فاقلبها كيف شئت فتطيعني فانا اللَّه الّذي ليس شيء مثلي. قامت السموات و الأرض و ما فيهن بكلمتي. و انه لا يخلص التوحيد و لم تتم القدرة إلا لي و لا يعلم ما عندي غيري و أنا الّذي كلمت البحار ففهمت قولي و أمرتها ففعلت أمرى و حددت عليها حدودا فلا تعدو حدى و تأتي بأمواج كالجبال فإذا بلغت حدى ألبستها مذلة لطاعتي و خوفا و اعترافا لأمرى و انى معك و لن يصل إليك شيء معى و انى بعثتك الى خلق عظيم من خلقي لتبلغهم رسالاتي فتستوجب لذلك أجر من اتبعك و لا ينقص ذلك من أجورهم شيئا انطلق الى قومك فقم فيهم و قل لهم ان اللَّه قد ذكركم بصلاح آبائكم فلذلك استبقاكم يا معشر أبناء الأنبياء و كيف وجد آباؤكم مغبة طاعتي و كيف وجدتم مغبة معصيتي و هل وجدوا أحدا عصاني فبعد بمعصيتي و هل علموا أحدا أطاعنى فشقي بطاعتي ان الدواب إذا ذكرت أوطانها الصالحة نزعت اليها و ان هؤلاء القوم رتعوا في مروج الهلكة و تركوا الأمر الّذي به أكرمت آباءهم و ابتغوا الكرامة من غير وجهها* أما أحبارهم و رهبانهم فاتخذوا عبادي خولا يتعبدونهم و يعملون فيهم بغير كتابي حتى أجهلوهم أمري و أنسوهم ذكرى و سنتي و عزوهم عنى فدان لهم عبادي بالطاعة التي لا تنبغي الألى فهم يطيعونهم في معصيتي* و أما ملوكهم و أمراؤهم فبطروا نعمتي و آمنوا مكري و غرتهم الدنيا حتى نبذوا كتابي و نسوا عهدي فهم يحرفون كتابي و يفترون على رسلي جرأة منهم على و غرة بى فسبحان جلالي و علو مكاني و عظمة شأنى هل ينبغي أن يكون لي شريك في ملكي و هل ينبغي لبشر أن يطاع في معصيتي و هل ينبغي لي