البداية و النهاية - ابن كثير الدمشقي - الصفحة ٩١ - * ذكر رفع عيسى (عليه السلام) الى السماء
فاجتنبوه و أمر اختلف عليكم فيه فردوا علمه إلى اللَّه عز و جل). و قال عبد الرزاق أنبأنا معمر عن رجل عن عكرمة قال قال عيسى (لا تطرحوا اللؤلؤ إلى الخنزير فان الخنزير لا يصنع باللؤلؤ شيئا و لا تعطوا الحكمة من لا يريدها فان الحكمة خير من اللؤلؤ و من لا يريدها شر من الخنزير). و كذا حكى وهب و غيره عنه و عنه أنه قال لأصحابه (أنتم ملح الأرض فإذا فسدتم فلا دواء لكم و ان فيكم خصلتين من الجهل الضحك من غير عجب و الصبحة من غير سهر) و عنه أنه قيل له من أشد الناس فتنة قال زلة العالم فان العالم إذا زل يزل بزلته عالم كثير. و عنه أنه قال (يا علماء السوء جعلتم الدنيا على رءوسكم و الاخرة تحت أقدامكم قولكم شفاء و عملكم دواء مثلكم مثل شجرة الدفلي تعجب من رآها و تقتل من أكلها) و قال وهب قال عيسى (يا علماء السوء جلستم على أبواب الجنة فلا تدخلوها و لا تدعون المساكين يدخلونها إن شر الناس عند اللَّه عالم يطلب الدنيا بعلمه. و قال مكحول (التقى يحبى و عيسى فصافحه عيسى و هو يضحك فقال له يحيى يا ابن خالة ما لي أراك ضاحكا كأنك قد أمنت) فقال له عيسى (ما لي أراك عابسا كأنك قد يئست) فأوحى اللَّه اليهما (ان أحبكما الى أبشكما بصاحبه) و قال وهب بن منبه وقف عيسى هو و أصحابه على قبر و صاحبه يدلى فيه فجعلوا يذكرون القبر و ضيقته فقال (قد كنتم فيما هو أضيق منه من أرحام أمهاتكم فإذا أحبّ اللَّه أن يوسع وسع) و قال أبو عمر الضرير بلغني أن عيسى كان إذا ذكر الموت يقطر جلده دما. و الآثار في مثل هذا كثيرة جدا. و قد أورد الحافظ بن عساكر منها طرفا صالحا اقتصرنا منها على هذا القدر و اللَّه الموفق للصواب
* ذكر رفع عيسى (عليه السلام) الى السماء
في حفظ الرب و بيان كذب اليهود و النصارى في دعوى الصلب قال اللَّه تعالى وَ مَكَرُوا وَ مَكَرَ اللَّهُ وَ اللَّهُ خَيْرُ الْماكِرِينَ. إِذْ قالَ اللَّهُ يا عِيسى إِنِّي مُتَوَفِّيكَ وَ رافِعُكَ إِلَيَّ وَ مُطَهِّرُكَ مِنَ الَّذِينَ كَفَرُوا وَ جاعِلُ الَّذِينَ اتَّبَعُوكَ فَوْقَ الَّذِينَ كَفَرُوا إِلى يَوْمِ الْقِيامَةِ ثُمَّ إِلَيَّ مَرْجِعُكُمْ فَأَحْكُمُ بَيْنَكُمْ فِيما كُنْتُمْ فِيهِ تَخْتَلِفُونَ و قال تعالى فَبِما نَقْضِهِمْ مِيثاقَهُمْ وَ كُفْرِهِمْ بِآياتِ اللَّهِ وَ قَتْلِهِمُ الْأَنْبِياءَ بِغَيْرِ حَقٍّ وَ قَوْلِهِمْ قُلُوبُنا غُلْفٌ بَلْ طَبَعَ اللَّهُ عَلَيْها بِكُفْرِهِمْ فَلا يُؤْمِنُونَ إِلَّا قَلِيلًا. وَ بِكُفْرِهِمْ وَ قَوْلِهِمْ عَلى مَرْيَمَ بُهْتاناً عَظِيماً. وَ قَوْلِهِمْ إِنَّا قَتَلْنَا الْمَسِيحَ عِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ رَسُولَ اللَّهِ وَ ما قَتَلُوهُ وَ ما صَلَبُوهُ وَ لكِنْ شُبِّهَ لَهُمْ وَ إِنَّ الَّذِينَ اخْتَلَفُوا فِيهِ لَفِي شَكٍّ مِنْهُ ما لَهُمْ بِهِ مِنْ عِلْمٍ إِلَّا اتِّباعَ الظَّنِّ وَ ما قَتَلُوهُ يَقِيناً بَلْ رَفَعَهُ اللَّهُ إِلَيْهِ وَ كانَ اللَّهُ عَزِيزاً حَكِيماً. وَ إِنْ مِنْ أَهْلِ الْكِتابِ إِلَّا لَيُؤْمِنَنَّ بِهِ قَبْلَ مَوْتِهِ وَ يَوْمَ الْقِيامَةِ يَكُونُ عَلَيْهِمْ شَهِيداً فأخبر تعالى أنه رفعه الى السماء بعد ما توفاه بالنوم على الصحيح المقطوع به و خلصه ممن كان أراد أذيته من اليهود الذين وشوا به الى بعض الملوك الكفرة في ذلك الزمان*