البداية و النهاية - ابن كثير الدمشقي - الصفحة ٣١٤ - فصل
قال ابن إسحاق: و حدثني يزيد بن أبى حبيب عن رجل من عبد القيس عن سلمان أنه قال لما قلت و أين تقع هذه من الّذي على يا رسول اللَّه؟ أخذها رسول اللَّه (صلّى اللَّه عليه و سلّم) فقلبها على لسانه، ثم قال: «خذها فأوفهم منها» فأخذتها فاوفيتهم منها حقهم كله أربعين أوقية.
و قال محمد بن إسحاق: حدثني عاصم بن عمر بن قتادة حدثني من لا أتهم عن عمر بن عبد العزيز ابن مروان قال حدثت عن سلمان انه قال لرسول اللَّه (صلّى اللَّه عليه و سلّم) حين أخبره أن صاحب عمّورية قال له:
ايت كذا و كذا من أرض الشام، فان بها رجلا بين غيضتين يخرج كل سنة من هذه الغيضة مستجيزا يعترضه ذوو الأسقام فلا يدعو لأحد منهم إلا شفى فاسأله عن هذا الدين الّذي تبتغي فهو يخبرك عنه.
قال سلمان فخرجت حتى جئت حيث وصف لي فوجدت الناس قد اجتمعوا بمرضاهم هناك حتى يخرج لهم تلك الليلة مستجيزا من احدى الغيضتين الى الأخرى. فغشيه الناس بمرضاهم لا يدعو لمريض الا شفى و غلبوني عليه فلم أخلص اليه حتى دخل الغيضة التي يريد ان يدخل الا منكبه. قال فتناولته فقال من هذا؟ و التفت الى قال قلت يرحمك اللَّه أخبرنى عن الحنيفية دين إبراهيم، قال انك لتسأل عن شيء ما يسأل عنه الناس اليوم، قد أظلك زمان نبي يبعث بهذا الدين من أهل الحرم، فأته فهو يحملك عليه.
ثم دخل فقال رسول اللَّه (صلّى اللَّه عليه و سلّم) لسلمان: «لئن كنت صدقتني يا سلمان لقد لقيت عيسى بن مريم»
هكذا وقع في هذه الرواية. و فيها رجل مبهم و هو شيخ عاصم بن عمر بن قتادة. و قد قيل إنه الحسن ابن عمارة ثم هو منقطع بل معضل بين عمر بن عبد العزيز و سلمان رضى اللَّه عنه. قوله لئن كنت صدقتني يا سلمان لقد لقيت عيسى بن مريم غريب جدا بل منكر. فان الفترة أقل ما قيل فيها انها أربعمائة سنة، و قيل ستمائة سنة بالشّمسية، و سلمان أكثر ما قيل انه عاش ثلاثمائة سنة و خمسين سنة. و حكى العباس ابن يزيد البحراني اجماع مشايخه على أنه عاش مائتين و خمسين سنة. و اختلفوا فيما زاد الى ثلاثمائة و خمسين سنة و اللَّه أعلم. و الظاهر أنه قال لقد لقيت وصى عيسى بن مريم فهذا ممكن بالصواب.
و قال السهيليّ: الرجل المبهم هو الحسن بن عمارة و هو ضعيف و إن صح لم يكن فيه نكارة. لان ابن جرير ذكر أن المسيح نزل من السماء بعد ما رفع فوجد أمه و امرأة أخرى يبكيان عند جذع المصلوب فأخبرهما أنه لم يقتل و بعث الحواريين بعد ذلك. قال و إذا جاز نزوله مرة جاز نزوله مرارا ثم يكون نزوله الظاهر حين يكسر الصليب و يقتل الخنزير و يتزوج حينئذ امرأة من بنى جذام و إذا مات دفن في حجرة روضة رسول اللَّه (صلّى اللَّه عليه و سلّم).
و قد روى البيهقي في كتاب دلائل النبوة قصة سلمان هذه من طريق يونس بن بكير عن محمد بن إسحاق كما تقدم و رواها أيضا عن الحاكم عن الأصم عن يحيى بن أبى طالب. حدثنا على بن عاصم حدثنا حاتم بن أبى صفرة عن سماك بن حرب عن يزيد بن صوحان أنه سمع سلمان يحدث كيف كان أول