البداية و النهاية - ابن كثير الدمشقي - الصفحة ٢٧٤ - ذكر رضاعه عليه الصلاة و السلام
على أتان لي قمراء كانت أذمّت بالركب [١] و معى صبي لنا و شارف لنا و اللَّه ما تبض بقطرة. و ما ننام ليلتنا ذلك اجمع [٢] مع صبينا ذاك ما نجد في ثديي ما يغنيه و لا في شارفنا ما يغذيه. و لكنا كنا نرجو الغيث و الفرج. فخرجت على أتانى تلك فلقد أذمت بالركب حتى شق ذلك عليهم ضعفا و عجفا. فقدمنا مكة فو اللَّه ما علمت منا امرأة إلا و قد عرض عليها رسول اللَّه (صلّى اللَّه عليه و سلّم) فتأباه إذا قيل إنه يتيم تركناه.
قلنا ما ذا عسى أن تصنع إلينا أمه؟ إنما نرجو المعروف من أبى الولد فاما أمه فما ذا عسى أن تصنع إلينا، فو اللَّه ما بقي من صواحبي امرأة إلا أخذت رضيعا غيري. فلما لم نجد غيره و أجمعنا الانطلاق قلت لزوجي الحارث بن عبد العزى و اللَّه إني لأكره أن أرجع من بين صواحبي ليس معى رضيع.
لانطلقن إلى ذلك اليتيم فلآخذنه. فقال لا عليك أن تفعلي فعسى أن يجعل اللَّه لنا فيه بركة. فذهبت فأخذته فو اللَّه ما أخذته إلا أنى لم أجد غيره، فما هو إلا أن أخذته فجئت به رحلي فاقبل عليه ثدياي بما شاء من لبن. فشرب حتى روى و شرب أخوه حتى روى. و قام صاحبي إلى شارفنا تلك فإذا إنها لحافل، فحلب ما شرب و شربت حتى روينا. فبتنا بخير ليلة فقال صاحبي حين أصبحنا يا حليمة و اللَّه إني لأراك قد أخذت نسمة مباركة. أ لم ترى ما بتنا به الليلة من الخير و البركة حين أخذناه. فلم يزل اللَّه عز و جل يزيدنا خيرا. ثم خرجنا راجعين إلى بلادنا فو اللَّه لقطعت أتانى بالركب حتى ما يتعلق بها حمار حتى أن صواحبي ليقلن ويلك يا بنت أبى ذؤيب هذه أتانك التي خرجت عليها معنا؟ فأقول نعم و اللَّه إنها لهى فقلن و اللَّه إن لها لشأنا. حتى قدمنا أرض بنى سعد. و ما أعلم أرضا من أرض اللَّه أجدب منها فان كانت غنمي لتسرح ثم تروح شباعا لبنا فتحلب ما شئنا و ما حوالينا أو حولنا أحد تبض له شاة بقطرة لبن و إن أغنامهم لتروح جياعا حتى إنهم ليقولون لرعاتهم- أو لرعيانهم- ويحكم انظروا حيث تسرح غنم بنت أبى ذؤيب فاسرحوا معهم. فيسرحون مع غنمي حيث تسرح فتروح أغنامهم جياعا ما فيها قطرة لبن و تروح أغنامى شباعا لبنا نحلب ما شئنا. فلم يزل اللَّه يرينا البركة نتعرفها حتى بلغ سنتين فكان يشب شبابا لا تشبّه الغلمان. فو اللَّه ما بلغ السنتين حتى كان غلاما جفرا [٣] فقدمنا به على أمه و نحن أضن شيء به مما رأينا فيه من البركة. فلما رأته أمه قلت لها دعينا نرجع بابننا هذه السنة الأخرى فانا نخشى عليه وباء مكة. فو اللَّه ما زلنا بها حتى قالت نعم. فسرحته معنا فأقمنا به شهرين أو ثلاثة فبينما هو خلف بيوتنا مع أخ له من الرضاعة في بهم لنا جاء أخوه ذلك يشتد فقال ذاك أخى القرشي جاءه رجلان عليهما ثياب بيض فاضجعاه فشقا بطنه. فخرجت أنا و أبوه نشتد نحوه فنجده قائما منتقعا لونه. فاعتنقه أبوه و قال يا بنى
[١] أي جاءت بما تذم عليه. أو يكون من قولهم بئر ذمة أي قليلة الماء. و يروى حتى أذممت أي حبستهم و كأنه من الماء الدائم
[٢] الّذي في ابن هشام: و ما ننام ليلنا أجمع من صبينا الّذي معنا من بكائه من الجوع.
[٣] استجفر الصبى إذا قوى على الأكل.