البداية و النهاية - ابن كثير الدمشقي - الصفحة ٣١٩
فقلت لا يكتب فوثب الحبر و نزل رداؤه و قال ذبحت يهود، و قتلت يهود. قال العباس فلما رجعنا الى منزلنا، قال أبو سفيان يا أبا الفضل إن اليهود تفزع من ابن أخيك، قلت قد رأيت ما رأيت، فهل لك يا أبا سفيان ان تؤمن به، فان كان حقا كنت قد سبقت و ان كان باطلا فمعك غيرك من أكفائك؟ قال لا أؤمن به حتى أرى الخيل في كداء، قلت ما تقول؟ قال كلمة جاءت على فمي الا انى اعلم أن اللَّه لا يترك خيلا تطلع من كداء. قال العباس فلما استفتح رسول اللَّه (صلّى اللَّه عليه و سلّم) مكة و نظرنا الى الخيل و قد طلعت من كداء، قلت يا أبا سفيان تذكر الكلمة؟ قال اى و اللَّه إني لذاكرها فالحمد للَّه الّذي هداني للإسلام. و هذا سياق حسن عليه البهاء و النور و ضياء الصدق و ان كان في رجاله من هو متكلم فيه و اللَّه أعلم.
و قد تقدم ما ذكرناه في قصة أبى سفيان مع أمية بن أبى الصلت، و هو شبيه بهذا الباب و هو من أغرب الاخبار و أحسن السياقات و عليه النور. و سيأتي أيضا قصة أبى سفيان مع هرقل ملك الروم حين سأله عن صفات رسول اللَّه (صلّى اللَّه عليه و سلّم) و أحواله، و استدلاله بذلك على صدقه و نبوته و رسالته. و قال له: كنت أعلم انه خارج، و لكن لم أكن أظن انه فيكم، و لو أعلم انى أخلص اليه لتجشمت لقيه. و لو كنت عنده لغسلت عن قدميه. و لئن كان ما تقول حقا ليملكن موضع قدمي هاتين. و كذلك وقع و للَّه الحمد و المنة.
و قد أكثر الحافظ أبو نعيم من إيراد الآثار و الاخبار عن الرهبان و الأحبار و العرب. فأكثر و أطنب و أحسن و أطيب (رحمه اللَّه) و رضى عنه.
[١] قصة عمرو بن مرة الجهنيّ
قال الطبراني: حدثنا على بن إبراهيم الخزاعي الأهوازي حدثنا عبد اللَّه بن داود بن دلهاث بن إسماعيل بن عبد اللَّه بن شريح بن ياسر بن سويد صاحب رسول اللَّه (صلّى اللَّه عليه و سلّم) حدثنا أبى عن أبيه دلهاث عن أبيه إسماعيل أن أباه عبد اللَّه حدثه عن أبيه أن أباه ياسر بن سويد حدثه عن عمرو بن مرة الجهنيّ قال: خرجت حاجا في جماعة من قومي في الجاهلية، فرأيت في نومي و أنا بمكة، نورا ساطعا من الكعبة حتى وصل الى جبل يثرب. و أشعر جهينة. فسمعت صونا بين النور و هو يقول: انقشعت الظلماء، و سطع الضياء، و بعث خاتم الأنبياء. ثم أضاء اضاءة أخرى، حتى نظرت الى قصور الحيرة و أبيض المدائن، و سمعت صوتا من النور و هو يقول: ظهر الإسلام، و كسرت الأصنام، و وصلت الأرحام، فانتبهت فزعا فقلت لقومي: و اللَّه ليحدثن لهذا الحي من قريش حدث- و أخبرتهم بما رأيت فلما انتهينا الى بلادنا جاءني رجل يقال له أحمد قد بعث فأتيته فأخبرته بما رأيت. فقال «يا عمرو بن مرة أنا النبي المرسل الى العباد كافة. أدعوهم الى الإسلام، و آمرهم بحقن الدماء و صلة الأرحام، و عبادة اللَّه
[١] من أول هنا الى آخر القصة ليس في المصرية.