البداية و النهاية - ابن كثير الدمشقي - الصفحة ٦٨ - ذكر ميلاد العبد الرسول عيسى بن مريم البتول
عبد اللَّه بن إدريس
و قال الترمذي حسن صحيح غريب لا نعرفه إلا من حديثه و
في رواية (ألا أخبرتهم أنهم كانوا يتسمون بأسماء صالحيهم و أنبيائهم)
و ذكر قتادة و غيره أنهم كانوا يكثرون من التسمية بهرون حتى قيل إنه حضر بعض جنائزهم بشر كثير منهم ممن يسمى بهرون أربعون ألفا فاللَّه أعلم* و المقصود أنهم قالوا يا أُخْتَ هارُونَ و دل الحديث على أنها قد كان لها أخ نسبي اسمه هارون و كان مشهورا بالدين و الصلاح و الخير و لهذا قالوا (ما كانَ أَبُوكِ امْرَأَ سَوْءٍ وَ ما كانَتْ أُمُّكِ بَغِيًّا) أي لست من بيت هذا شيمتهم و لا سجيتهم لا أخوك و لا أمك و لا أبوك فاتهموها بالفاحشة العظمى و رموها بالداهية الدهياء فذكر ابن جرير في تأريخه أنهم اتهموا بها زكريا و أرادوا قتله ففر منهم فلحقوه و قد انشقت له الشجرة فدخلها و أمسك إبليس بطرف ردائه فنشروه فيها كما قدمنا، و من المنافقين من اتهمها بابن خالها يوسف بن يعقوب النجار فلما ضاق الحال و انحصر المجال و امتنع المقال عظم التوكل على ذي الجلال و لم يبق إلا الإخلاص و الاتكال (فَأَشارَتْ إِلَيْهِ) أي خاطبوه و كلموه فان جوابكم عليه و ما تبغون من الكلام لديه. فعندها قالُوا من كان منهم جبارا شقيا كَيْفَ نُكَلِّمُ مَنْ كانَ فِي الْمَهْدِ صَبِيًّا أي كيف تحيلينا في الجواب على صبي صغير لا يعقل الخطاب و هو مع ذلك رضيع في مهده و لا يميز بين محض و زبده و ما هذا منك إلا على سبيل التهكم بنا و الاستهزاء و التنقص لنا و الازدراء إذ لا تردين علينا قولا نطقيا بل تحيلين في الجواب على من كان في المهد صبيا فعندها (قالَ إِنِّي عَبْدُ اللَّهِ آتانِيَ الْكِتابَ وَ جَعَلَنِي نَبِيًّا. وَ جَعَلَنِي مُبارَكاً أَيْنَ ما كُنْتُ وَ أَوْصانِي بِالصَّلاةِ وَ الزَّكاةِ ما دُمْتُ حَيًّا وَ بَرًّا بِوالِدَتِي وَ لَمْ يَجْعَلْنِي جَبَّاراً شَقِيًّا. وَ السَّلامُ عَلَيَّ يَوْمَ وُلِدْتُ وَ يَوْمَ أَمُوتُ وَ يَوْمَ أُبْعَثُ حَيًّا). هذا أول كلام تفوه به عيسى بن مريم فكان أول ما تكلم به أن قالَ إِنِّي عَبْدُ اللَّهِ اعترف لربه تعالى بالعبودية و أن اللَّه ربه فنزه جناب اللَّه عن قول الظالمين في زعمهم انه ابن اللَّه بل هو عبده و رسوله و ابن أمته ثم برأ أمه مما نسبها اليه الجاهلون و قذفوها به و رموها بسببه بقوله آتانِيَ الْكِتابَ وَ جَعَلَنِي نَبِيًّا فان اللَّه لا يعطى النبوة من هو كما زعموا لعنهم اللَّه و قبحهم كما قال تعالى وَ بِكُفْرِهِمْ وَ قَوْلِهِمْ عَلى مَرْيَمَ بُهْتاناً عَظِيماً و ذلك أن طائفة من اليهود في ذلك الزمان قالوا إنها حملت به من زنا في زمن الحيض لعنهم اللَّه فبرأها اللَّه من ذلك و أخبر عنها أنها صديقة و اتخذ ولدها نبيا مرسلا أحد أولى العزم الخمسة الكبار و لهذا قال وَ جَعَلَنِي مُبارَكاً أَيْنَ ما كُنْتُ و ذلك أنه حيث كان دعا إلى عبادة اللَّه وحده لا شريك له و نزه جنابه عن النقص و العيب من اتخاذ الولد و الصاحبة تعالى و تقدس وَ أَوْصانِي بِالصَّلاةِ وَ الزَّكاةِ ما دُمْتُ حَيًّا و هذه وظيفة العبيد في القيام بحق العزيز الحميد بالصلاة و الإحسان إلى الخليقة بالزكاة و هي تشتمل على طهارة النفوس من الأخلاق الرذيلة و تطهير الأموال الجزيلة بالعطية للمحاويج على اختلاف الأصناف و قرى الأضياف و النفقات على الزوجات و الأرقاء و القرابات و سائر وجوه الطاعات و أنواع القربات. ثم قال وَ بَرًّا بِوالِدَتِي