البداية و النهاية - ابن كثير الدمشقي - الصفحة ٦٧ - ذكر ميلاد العبد الرسول عيسى بن مريم البتول
مريم بنت عمران. و كذا رواه أبو يعلى في مسندة عن شيبان بن فروخ عن مسروق بن سعيد و في رواية مسرور بن سعد.
و الصحيح مسرور بن سعيد التميمي أورد له ابن عدي هذا الحديث عن الأوزاعي به ثم قال و هو منكر الحديث و لم اسمع بذكره إلا في هذا الحديث. و قال ابن حبان يروى عن الأوزاعي المناكير الكثيرة التي لا يجوز الاحتجاج بمن يرويها. و قوله (فَإِمَّا تَرَيِنَّ مِنَ الْبَشَرِ أَحَداً فَقُولِي إِنِّي نَذَرْتُ لِلرَّحْمنِ صَوْماً فَلَنْ أُكَلِّمَ الْيَوْمَ إِنْسِيًّا). و هذا من تمام كلام الّذي ناداها من تحتها قال (فَكُلِي وَ اشْرَبِي وَ قَرِّي عَيْناً فَإِمَّا تَرَيِنَّ مِنَ الْبَشَرِ أَحَداً) أي فان رأيت أحدا من الناس (فَقُولِي) له أي بلسان الحال و الإشارة إِنِّي نَذَرْتُ لِلرَّحْمنِ صَوْماً أي صمتا و كان من صومهم في شريعتهم ترك الكلام و الطعام قاله قتادة و السدي و ابن أسلم و يدل على ذلك قوله (فَلَنْ أُكَلِّمَ الْيَوْمَ إِنْسِيًّا) فأما في شريعتنا فيكره للصائم صمت يوم إلى الليل. و قوله تعالى فَأَتَتْ بِهِ قَوْمَها تَحْمِلُهُ قالُوا يا مَرْيَمُ لَقَدْ جِئْتِ شَيْئاً فَرِيًّا. يا أُخْتَ هارُونَ ما كانَ أَبُوكِ امْرَأَ سَوْءٍ وَ ما كانَتْ أُمُّكِ بَغِيًّا ذكر كثير من السلف ممن ينقل عن أهل الكتاب أنهم لما افتقدوها من بين أظهرهم ذهبوا في طلبها فمروا على محلتها و الأنوار حولها فلما واجهوها وجدوا معها ولدها فقالوا لها يا مَرْيَمُ لَقَدْ جِئْتِ شَيْئاً فَرِيًّا أي امرا عظيما منكرا. و في هذا الّذي قالوه نظر مع أنه كلام ينقض أوله آخره و ذلك لأن ظاهر سياق القرآن العظيم يدل على أنها حملت بنفسها و أتت به قومها و هي تحمله* قال ابن عباس و ذلك بعد ما تعلت من نفاسها بعد أربعين يوما* و المقصود أنهم لما رأوها تحمل معها ولدها قالُوا يا مَرْيَمُ لَقَدْ جِئْتِ شَيْئاً فَرِيًّا و الفرية هي الفعلة المنكرة العظيمة من الفعال و المقال. ثم قالوا لها يا أُخْتَ هارُونَ قيل شبهوها بعابد من عباد زمانهم كانت تساميه في العبادة و كان اسمه هارون و قيل شبهوها برجل فاجر في زمانهم اسمه هارون. قاله سعيد بن جبير و قيل أرادوا بهرون أخا موسى شبهوها به في العبادة. و اخطأ محمد بن كعب القرظي في زعمه أنها أخت موسى و هارون نسبا فان بينهما من الدهور الطويلة ما لا يخفى على أدنى من عنده من العلم ما يرده عن هذا القول الفظيع و كأنه غره أن في التوراة أن مريم أخت موسى و هارون ضربت بالدف يوم نجا اللَّه موسى و قومه و أغرق فرعون و ملأه فاعتقد أن هذه هي هذه و هذا في غاية البطلان و المخالفة للحديث الصحيح مع نص القرآن كما قررناه في التفسير مطولا و للَّه الحمد و المنة. و قد ورد الحديث الصحيح الدال على أنه قد كان لها أخ اسمه هارون و ليس في ذكر قصة ولادتها و تحرير أمها لها ما يدل على أنها ليس لها أخ سواها و اللَّه أعلم.
قال الامام أحمد حدثنا عبد اللَّه بن إدريس سمعت أبى يذكره عن سماك عن علقمة ابن وائل عن المغيرة بن شعبة قال بعثني رسول اللَّه (صلّى اللَّه عليه و سلّم) إلى نجران فقالوا أ رأيت ما تقرءون (يا أُخْتَ هارُونَ) و موسى قبل عيسى بكذا و كذا قال فرجعت فذكرت ذلك لرسول اللَّه (صلّى اللَّه عليه و سلّم) فقال (ألا أخبرتهم أنهم كانوا يسمون بالأنبياء و الصالحين قبلهم) و كذا رواه مسلم و النسائي و الترمذي من حديث