البداية و النهاية - ابن كثير الدمشقي - الصفحة ٦٦ - ذكر ميلاد العبد الرسول عيسى بن مريم البتول
الْمَخاضُ إِلى جِذْعِ النَّخْلَةِ) و الصحيح أن تعقيب كل شيء بحسبه لقوله (فَتُصْبِحُ الْأَرْضُ مُخْضَرَّةً) و كقوله ثُمَّ خَلَقْنَا النُّطْفَةَ عَلَقَةً فَخَلَقْنَا الْعَلَقَةَ مُضْغَةً فَخَلَقْنَا الْمُضْغَةَ عِظاماً فَكَسَوْنَا الْعِظامَ لَحْماً ثُمَّ أَنْشَأْناهُ خَلْقاً آخَرَ فَتَبارَكَ اللَّهُ أَحْسَنُ الْخالِقِينَ* و معلوم أن بين كل حالين أربعين يوما كما ثبت في الحديث المتفق عليه.
قال محمد بن إسحاق شاع و اشتهر في بنى إسرائيل أنها حامل فما دخل على أهل بيت ما دخل على آل بيت زكريا. قال و اتهمها بعض الزنادقة بيوسف الّذي كان يتعبد معها في المسجد و توارت عنهم مريم و اعتزلتهم و انتبذت مكانا قصيا و قوله فَأَجاءَهَا الْمَخاضُ إِلى جِذْعِ النَّخْلَةِ أي فالجأها و اضطرها الطلق الى جذع النخلة و هو بنص الحديث الّذي رواه النسائي باسناد لا بأس به عن أنس مرفوعا و البيهقي باسناد و صححه عن شداد بن أوس مرفوعا أيضا ببيت لحم الّذي بنى عليه بعض ملوك الروم فيما بعد على ما سنذكره هذا البناء المشاهد الهائل (قالَتْ يا لَيْتَنِي مِتُّ قَبْلَ هذا وَ كُنْتُ نَسْياً مَنْسِيًّا) فيه دليل على جواز تمنى الموت عند الفتن و ذلك أنها علمت أن الناس يتهمونها و لا يصدقونها بل يكذبونها حين تأتيهم بغلام على يدها مع أنها قد كانت عندهم من العابدات الناسكات المجاورات في المسجد المنقطعات اليه المعتكفات فيه و من بيت النبوة و الديانة فحملت بسبب ذلك من الهم ما تمنت ان لو كانت ماتت قبل هذا الحال أو كانت نَسْياً مَنْسِيًّا أي لم تخلق بالكلية. و قوله فَناداها مِنْ تَحْتِها و قرئ من تحتها على الخفض و في المضمر قولان أحدهما أنه جبريل قاله العوفيّ عن ابن عباس قال و لم يتكلم عيسى إلا بحضرة القوم و هكذا قال سعيد بن جبير و عمرو بن ميمون و الضحاك و السدي و قتادة. و قال مجاهد و الحسن و ابن زيد و سعيد بن جبير في رواية هو ابنها عيسى و اختاره ابن جرير. و قوله أَلَّا تَحْزَنِي قَدْ جَعَلَ رَبُّكِ تَحْتَكِ سَرِيًّا قيل النهر و اليه ذهب الجمهور. و جاء فيه حديث رواه الطبراني لكنه ضعيف و اختاره ابن جرير و هو الصحيح و عن الحسن و الربيع بن أنس و ابن أسلم و غيرهم أنه ابنها و الصحيح الأول لقوله وَ هُزِّي إِلَيْكِ بِجِذْعِ النَّخْلَةِ تُساقِطْ عَلَيْكِ رُطَباً جَنِيًّا فذكر الطعام و الشراب و لهذا قال فَكُلِي وَ اشْرَبِي وَ قَرِّي عَيْناً. ثم قيل كان جذع النخلة يابسا و قيل كانت نخلة مثمرة فاللَّه أعلم. و يحتمل أنها كانت نخلة لكنها لم تكن مثمرة إذ ذاك لأن ميلاده كان في زمن الشتاء و ليس ذاك وقت ثمر و قد يفهم ذلك من قوله تعالى على سبيل الامتنان (تُساقِطْ عَلَيْكِ رُطَباً جَنِيًّا). قال عمرو بن ميمون ليس شيء أجود للنفساء من التمر و الرطب ثم تلا هذه الآية. و
قال ابن أبى حاتم حدثنا على بن الحسين حدثنا شيبان حدثنا مسرور بن سعيد التميمي حدثنا عبد الرحمن بن عمرو الأنصاري عن عروة بن رويم عن على بن أبى طالب قال قال رسول اللَّه (صلّى اللَّه عليه و سلّم) (أكرموا عمتكم النخلة فإنها خلقت من الطين الّذي خلق منه آدم و ليس من الشجر شيء يلقح غيرها و قال رسول اللَّه (صلّى اللَّه عليه و سلّم) (أطعموا نساءكم الولد الرطب فان لم يكن رطب فتمر و ليس من الشجر شجرة أكرم على اللَّه من شجرة نزلت تحتها