البداية و النهاية - ابن كثير الدمشقي - الصفحة ٣٥١
قال راشد: فألفيت سواعا مع الفجر و ثعلبان يلحسان ما حوله، و يأكلان ما يهدى له، ثم يعوجان عليه ببولهما، فعند ذلك يقول راشد بن عبد ربه:
أ ربّ يبول الثعلبان برأسه* * * لقد ذلّ من بالت عليه الثعالب
و ذلك عند مخرج النبي (صلّى اللَّه عليه و سلّم) و مهاجره إلى المدينة و تسامع الناس به فخرج راشد حتى أتى النبي (صلّى اللَّه عليه و سلّم) المدينة و معه كلب له، و اسم رشاد يومئذ ظالم، و اسم كلبه راشد فقال النبي (صلّى اللَّه عليه و سلّم): «ما اسمك؟» قال ظالم. قال: «فما اسم كلبك؟» قال راشد، قال «اسمك راشد، و اسم كلبك ظالم» و ضحك النبي (صلّى اللَّه عليه و سلّم). و بايع النبي (صلّى اللَّه عليه و سلّم) و أقام بمكة معه تم طلب من رسول اللَّه (صلّى اللَّه عليه و سلّم). قطيعة بوهاط- و وصفها له- فاقطعه رسول اللَّه (صلّى اللَّه عليه و سلّم) بالمعلاة من وهاط شأو الفرس، و رميته ثلاث مرات بحجر، و أعطاه إداوة مملوءة من ماء و تفل فيها و قال له «فرغها في أعلا القطيعة و لا تمنع الناس فضلها» ففعل فجعل الماء معينا يجرى إلى اليوم فغرس عليها النخل. و يقال ان وهاط كلها تشرب منه فسماها الناس ماء الرسول (صلّى اللَّه عليه و سلّم). و أهل وهاط يغتسلون بها و بلغت رمية راشد الركب الّذي يقال له ركب الحجر، و غدا راشد على سواع فكسره.
و قال أبو نعيم: حدثنا سليمان بن احمد حدثنا على بن إبراهيم الخزاعي الأهوازي حدثنا أبو محمد عبد اللَّه بن داود بن دلهاث بن إسماعيل بن مسرع بن ياسر بن سويد صاحب رسول اللَّه (صلّى اللَّه عليه و سلّم) حدثنا أبى عن أبيه دلهاث عن أبيه إسماعيل أن أباه عبد اللَّه حدثه عن أبيه مسرع بن ياسر أن أباه ياسر حدثه عن عمرو بن مرة الجهنيّ أنه كان يحدث قال: خرجت حاجا في جماعة من قومي في الجاهلية. فرأيت في المنام و أنا بمكة نورا ساطعا من الكعبة حتى أضاء في جبل يثرب و أشعر جهينة. فسمعت صوتا في النور و هو يقول: انقشعت الظلماء، و سطع الضياء، و بعث خاتم الأنبياء، ثم أضاء إضاءة أخرى حتى نظرت إلى قصور الحيرة و ابيض المدائن. فسمعت صوتا في النور و هو يقول: ظهر الإسلام، و كسرت الأصنام، و وصلت الأرحام، فانتبهت فزعا، فقلت لقومي و اللَّه ليحدثن في هذا الحي من قريش حدث، و أخبرتهم بما رأيت. فلما انتهينا إلى بلادنا جاءنا رجل فأخبرنا أن رجلا يقال له احمد قد بعث فأتيته فأخبرته بما رأيت فقال «يا عمرو بن مرة إني المرسل إلى العباد كافة أدعوهم إلى الإسلام، و آمرهم بحقن الدماء و صلة الأرحام، و عبادة اللَّه و رفض الأصنام، و حج البيت. و صيام شهر من اثنى عشر شهرا و هو شهر رمضان، فمن أجاب فله الجنة. و من عصى فله النار، فآمن يا عمرو بن مرة يؤمنك اللَّه من نار جهنم» فقلت أشهد أن لا إله إلا اللَّه و أنك رسول اللَّه. آمنت بكل ما جئت به من حلال و حرام، و إن أرغم ذلك كثيرا من الأقوام، ثم أنشدته أبياتا قلتها حين سمعت به و كان لنا صنم و كان أبى سادنا له فقمت اليه فكسرته ثم لحقت النبي (صلّى اللَّه عليه و سلّم) و أنا أقول: