البداية و النهاية - ابن كثير الدمشقي - الصفحة ٢٨٤ - فصل في خروجه عليه الصلاة و السلام مع عمه أبى طالب إلى الشام و قصته مع بحيرى الراهب
فلما رآهم بحيرى لم ير الصفة التي يعرف و يجده عنده فقال يا معشر قريش لا يتخلفن أحد منكم عن طعامي قالوا يا بحيرى ما تخلف أحد ينبغي له أن يأتيك إلا غلام و هو أحدثنا سنا. فتخلف في رحالنا. قال لا تفعلوا ادعوه فليحضر هذا الطعام معكم. قال فقال رجل من قريش مع القوم: و اللات و العزى إن كان للؤم بنا أن يتخلف محمد بن عبد اللَّه بن عبد المطلب عن طعام من بيننا. ثم قام اليه فاحتضنه و أجلسه مع القوم، فلما رأى بحيرى جعل يلحظه لحظا شديدا و ينظر الى أشياء من جسده، قد كان يجدها عنده من صفته، حتى إذا فرغ القوم من طعامهم و تفرقوا قام اليه بحيرى و قال له يا غلام: أسألك بحق اللات و العزى الا أخبرتنى عما أسألك عنه. و انما قال له بحيرى ذلك لانه سمع قومه يحلفون بهما. فزعموا أن رسول اللَّه (صلّى اللَّه عليه و سلّم) قال له: لا تسألنى باللات و العزى شيئا. فو اللَّه ما أبغضت شيئا قط بغضهما. فقال له بحيرى: فباللَّه الا ما أخبرتنى عما أسألك عنه؟ فقال له سلني عما بدا لك. فجعل يسأله عن أشياء من حاله من نومه و هيئته و أموره. فجعل رسول اللَّه (صلّى اللَّه عليه و سلّم) يخبره. فوافق ذلك ما عند بحيرى من صفته. ثم نظر إلى ظهره فرأى خاتم النبوة بين كتفيه موضعه من صفته التي عنده، فلما فرغ أقبل على عمه أبى طالب فقال ما هذا الغلام منك؟ قال ابني قال بحيرى ما هو بابنك و ما ينبغي لهذا الغلام أن يكون أبوه حيا، قال فإنه ابن أخى. قال فما فعل أبوه؟ قال مات و أمه حبلى به قال صدقت ارجع بابن أخيك إلى بلده و احذر عليه اليهود. فو اللَّه لئن رأوه و عرفوا منه ما عرفت ليبغنه شرا، فإنه كائن لابن أخيك هذا شأن عظيم فأسرع به إلى بلاده، فخرج به عمه أبو طالب سريعا حتى أقدمه مكة حين فرغ من تجارته بالشام.
قال ابن إسحاق: فزعموا فيما روى الناس أن زريرا، و ثماما، و دريسما- و هم نفر من أهل الكتاب- قد كانوا رأوا رسول اللَّه (صلّى اللَّه عليه و سلّم) مثلما رأى بحيرى في ذلك السفر الّذي كان فيه مع عمه أبى طالب فأرادوه فردهم عنه بحيرى. فذكرهم اللَّه و ما يجدون في الكتاب من ذكره و صفته و أنهم أجمعوا لما أرادوا به لم يخلصوا اليه حتى عرفوا ما قال لهم و صدقوه بما قال فتركوه و انصرفوا عنه. و قد ذكر يونس بن بكير عن ابن إسحاق أن أبا طالب قال في ذلك ثلاث قصائد. هكذا ذكر ابن إسحاق هذا السياق من غير اسناد منه. و قد ورد نحوه من طريق مسند مرفوع.
فقال الحافظ أبو بكر الخرائطى حدثنا عباس بن محمد الدوري حدثنا قراد أبو نوح حدثنا يونس عن أبى إسحاق عن أبى بكر بن أبى موسى عن أبيه قال خرج أبو طالب الى الشام و معه رسول اللَّه (صلّى اللَّه عليه و سلّم) في أشياخ من قريش. فلما أشرفوا على الراهب- يعنى بحيرى- هبطوا فحلوا رحالهم فخرج اليهم الراهب و كانوا قبل ذلك يمرون به فلا يخرج و لا يلتفت اليهم قال فنزل و هم يحلون رحالهم. فجعل يتخللهم حتى جاء فاخذ بيد النبي (صلّى اللَّه عليه و سلّم) فقال هذا سيد العالمين. و في رواية البيهقي زيادة هذا رسول رب العالمين، بعثه اللَّه رحمة للعالمين. فقال له أشياخ من قريش: و ما علمك؟ فقال إنكم حين أشرفتم من العقبة لم يبق