البداية و النهاية - ابن كثير الدمشقي - الصفحة ٢٧٨ - ذكر رضاعه عليه الصلاة و السلام
خطيبهم زهير بن صرد فقال: يا رسول اللَّه إن ما في الحظائر من السبايا خالاتك و حواضنك اللاتي كن يكفلنك، فلو أنا ملحنا [١] ابن أبى شمر، أو النعمان بن المنذر ثم أصابنا منهما مثل الّذي أصابنا منك رجونا عائدتهما و عطفهما، و أنت خير المكفولين. ثم أنشد:
امنن علينا رسول اللَّه في كرم* * * فإنك المرء نرجوه و ندخر
امنن على بيضة قد عاقها قدر* * * ممزق شملها في دهرها غير
أبقت لنا الدهر هتّافا على حزن* * * على قلوبهم الغماء و الغمر
إن لم تداركها نعماء تنشرها* * * يا أرجح الناس حلما حين يختبر
امنن على نسوة قد كنت ترضعها* * * إذ فوك يملؤه من محضها درر
امنن على نسوة قد كنت ترضعها* * * و إذ يزينك ما تأتى و ما تذر
لا تجعلنا كمن شالت نعامته* * * و استبق منّا فانا معشر زهر
إنا لنشكر للنعمى و إن كفرت* * * و عندنا بعد هذا اليوم مدخر
و قد رويت هذه القصة من طريق عبيد اللَّه بن رماحس الكلبي الرمليّ عن زياد بن طارق الجشمي عن أبى صرد زهير بن جرول- و كان رئيس قومه- قال لما أسرنا رسول اللَّه (صلّى اللَّه عليه و سلّم) يوم حنين فبينما هو يميز بين الرجال و النساء و ثبت حتى قعدت بين يديه و أسمعته شعرا، أذكره حين شب و نشأ في هوازن حيث أرضعوه:
امنن علينا رسول اللَّه في دعة* * * فإنك المرء نرجوه و ننتظر
امنن على بيضة قد عاقها قدر* * * ممزق شملها في دهرها غير
أبقت لنا الحرب هتافا على حزن* * * على قلوبهم الغماء و الغمر
إن لم تداركها نعماء تنشرها* * * يا أرجح الناس حلما حين يختبر
امنن على نسوة قد كنت ترضعها* * * إذ فوك تملؤه من محضها الدرر
إذ أنت طفل صغير كنت ترضعها* * * و إذ يزينك ما تأتى و ما تذر
لا تجعلنا كمن شالت نعامته* * * و استبق منا فانا معشر زهر
إنا لنشكر للنعمى و إن كفرت* * * و عندنا بعد هذا اليوم مدخر
فألبس العفو من قد كنت ترضعه* * * من أمهاتك إن العفو مشتهر
إنا نؤمل عفوا منك تلبسه* * * هذي البرية إذ تعفو و تنتصر
فاغفر عفا اللَّه عما أنت راهبه* * * يوم القيامة إذ يهدى لك الظفر
[١] يعنى أرضعنا. و ابن أبى شمر هو الحارث الغساني.