البداية و النهاية - ابن كثير الدمشقي - الصفحة ١١١ - * ذكر أمتى يأجوج و مأجوج
الّذي قبل بعث محمد (صلّى اللَّه عليه و سلّم) قد أتتهم رسل منهم فقد قامت على أولئك الحجة و ان لم يكن قد بعث اللَّه اليهم رسلا فهم في حكم أهل الفترة. و من لم تبلغه الدعوة و قد دل
الحديث المروي من طرق عن جماعة من الصحابة عن رسول اللَّه (صلّى اللَّه عليه و سلّم) (ان من كان كذلك يمتحن في عرصات القيامة فمن أجاب الداعي دخل الجنة و من أبى دخل النار)
و قد أوردنا الحديث بطرقه و ألفاظه و كلام الائمة عليه عند قوله (وَ ما كُنَّا مُعَذِّبِينَ حَتَّى نَبْعَثَ رَسُولًا) و قد حكاه الشيخ أبو الحسن الأشعري إجماعا عن أهل السنة و الجماعة و امتحانهم لا يقتضي نجاتهم و لا ينافي الأخبار عنهم بأنهم من أهل النار لأن اللَّه يطلع رسوله (صلّى اللَّه عليه و سلّم) على ما يشاء من أمر الغيب و قد اطلعه على أن هؤلاء من أهل الشقاء و أن سجاياهم تأبى قبول الحق و الانقياد له فهم لا يجيبون الداعي الى يوم القيامة فيعلم من هذا أنهم كانوا أشد تكذيبا للحق في الدنيا لو بلغهم فيها لأن في عرصات القيامة ينقاد خلق ممن كان مكذبا في الدنيا فإيقاع الايمان هناك لما يشاهد من الأهوال أولى و أحرى منه في الدنيا و اللَّه أعلم. كما قال تعالى وَ لَوْ تَرى إِذِ الْمُجْرِمُونَ ناكِسُوا رُؤُسِهِمْ عِنْدَ رَبِّهِمْ رَبَّنا أَبْصَرْنا وَ سَمِعْنا فَارْجِعْنا نَعْمَلْ صالِحاً إِنَّا مُوقِنُونَ و قال تعالى أَسْمِعْ بِهِمْ وَ أَبْصِرْ يَوْمَ يَأْتُونَنا* و أما الحديث الّذي فيه أن رسول اللَّه (صلّى اللَّه عليه و سلّم) دعاهم ليلة الاسراء فلم يجيبوا فإنه حديث منكر بل موضوع وضعه عمرو بن الصبح.
و أما السد فقد تقدم أن ذا القرنين بناه من الحديد و النحاس و ساوى به الجبال الصم الشامخات الطوال فلا يعرف على وجه الأرض بناء أجل منه و لا أنفع للخلق منه في أمر دنياهم.
قال البخاري و قال رجل للنّبيّ (صلّى اللَّه عليه و سلّم) رأيت السد قال و كيف رأيته قال مثل البرد المحبر فقال رأيته هكذا.
ذكره البخاري معلقا بصيغة الجزم و لم أره مسندا من وجه متصل أرتضيه غير أن
ابن جرير رواه في تفسيره مرسلا فقال حدثنا بشر حدثنا يزيد حدثنا سعيد عن قتادة قال ذكر لنا أن رجلا قال (يا رسول اللَّه قد رأيت سد يأجوج و مأجوج قال انعته لي قال كالبرد المحبر طريقة سوداء و طريقة حمراء قال قد رأيته.
و قد ذكر أن الخليفة الواثق بعث رسلا من جهته و كتب لهم كتبا إلى الملوك يوصلونهم من بلاد إلى بلاد حتى ينهوا إلى السد فيكشفوا عن خبره و ينظروا كيف بناه ذو القرنين على أي صفة فلما رجعوا أخبروا عن صفته و أن فيه بابا عظيما و عليه أقفال و أنه بناء محكم شاهق منيف جدا و أن بقية اللبن الحديد و الآلات في برج هناك و ذكروا أنه لا يزال هناك حرس لتلك الملوك المتاخمة لتلك البلاد و محلته في شرقى الأرض في جهة الشمال في زاوية الأرض الشرقية الشمالية و يقال ان بلادهم متسعة جدا و انهم يقتاتون بأصناف من المعايش من حراثة و زراعة و اصطياد من البر و من البحر و هم أمم و خلق لا يعلم عددهم إلا الّذي خلقهم.
فان قيل فما الجمع بين قوله تعالى فَمَا اسْطاعُوا أَنْ يَظْهَرُوهُ وَ مَا اسْتَطاعُوا لَهُ نَقْباً و بين الحديث الّذي
رواه البخاري و مسلم عن زينب بنت جحش أم المؤمنين رضى اللَّه عنها قالت استيقظ رسول اللَّه (صلّى اللَّه عليه و سلّم)