البداية و النهاية - ابن كثير الدمشقي - الصفحة ٣٢٠
و رفض الأصنام، و حج البيت و صيام شهر رمضان من اثنى عشر شهرا. فمن أجاب فله الجنة، و من عصى فله النار. فآمن يا عمرو يؤمنك اللَّه من هول جهنم» فقلت اشهد ان لا إله الا اللَّه و انك رسول اللَّه آمنت بما جئت من حلال و حرام، و ان رغم ذلك كثيرا من الأقوام. ثم أنشدته أبياتا قلتها حين سمعت به. و كان لنا صنم. و كان أبى سادنا له فقمت اليه فكسرته. ثم لحقت بالنبيّ (صلّى اللَّه عليه و سلّم) و انا أقول:
شهدت بأن اللَّه حق و اننى* * * لآلهة الأحجار أول تارك
و شمرت عن ساق الازار مهاجرا* * * إليك أجوب القفر بعد الدكادك
لأصحب خير الناس نفسا و والدا* * * رسول مليك الناس فوق الحبائك
فقال النبي (صلّى اللَّه عليه و سلّم): «مرحبا بك يا عمرو بن مرة» فقلت يا رسول اللَّه ابعثني الى قومي. لعل اللَّه يمن عليهم بى كما من على بك. فبعثني اليهم. و قال: «عليك بالرفق و القول السديد. و لا تكن فظا. و لا متكبرا و لا حسودا» فذكر انه أتى قومه، فدعاهم الى ما دعاه اليه رسول اللَّه (صلّى اللَّه عليه و سلّم) فأسلموا كلهم. الا رجلا واحدا منهم، و انه وفد بهم الى رسول اللَّه (صلّى اللَّه عليه و سلّم). فرحب بهم و حياهم. و كتب لهم كتابا هذه نسخته «بسم اللَّه الرحمن الرحيم. هذا كتاب من اللَّه على لسان رسول اللَّه (صلّى اللَّه عليه و سلّم)، بكتاب صادق، و حق ناطق مع عمرو بن مرة الجهنيّ لجهينة بن زيد: ان لكم بطون الأرض و سهولها، و تلاع الأودية و ظهورها، تزرعون نباته و تشربون صافيه، على ان تقروا بالخمس، و تصلوا صلاة الخمس و في التبيعة و الصريمة ان اجتمعتا و ان تفرقتا شاة شاة، ليس على أهل الميرة صدقة، ليس الوردة اللبقة [١] و شهد على نبينا (صلّى اللَّه عليه و سلّم) من حضر من المسلمين بكتاب قيس بن شماس». و ذكر شعرا قاله عمرو بن مرة في ذلك كما هو مبسوط في المسند الكبير و باللَّه الثقة و عليه التكلان.
و قال اللَّه تعالى: وَ إِذْ أَخَذْنا مِنَ النَّبِيِّينَ مِيثاقَهُمْ وَ مِنْكَ وَ مِنْ نُوحٍ وَ إِبْراهِيمَ وَ مُوسى وَ عِيسَى ابْنِ مَرْيَمَ وَ أَخَذْنا مِنْهُمْ مِيثاقاً غَلِيظاً قال كثيرون من السلف: لما أخذ اللَّه ميثاق بنى آدم يوم (أَ لَسْتُ بِرَبِّكُمْ؟) أخذ من النبيين ميثاقا خاصا، و أكد مع هؤلاء الخمسة أولى العزم أصحاب الشرائع الكبار الذين أولهم نوح و آخرهم محمد (صلوات اللَّه و سلامه عليهم أجمعين).
و قد روى الحافظ أبو نعيم في كتاب دلائل النبوة من طرق عن الوليد بن مسلم حدثنا الأوزاعي حدثنا يحيى بن أبى كثير عن أبى سلمة عن أبى هريرة: سئل النبي (صلّى اللَّه عليه و سلّم) متى وجبت لك النبوة؟ قال «بين خلق آدم و نفخ الروح فيه» و هكذا رواه الترمذي من طريق الوليد بن مسلم.
و قال حسن غريب من حديث أبى هريرة، لا نعرفه الا من هذا الوجه.
و قال أبو نعيم: حدثنا سليمان بن احمد حدثنا يعقوب بن إسحاق بن الزبير الحلبي حدثنا أبو جعفر
[١] اللبقة. كذا في الأصل و لعلها يريد أنه لا يؤخذ في الصدقة كرائم الأموال.