البداية و النهاية - ابن كثير الدمشقي - الصفحة ١٢١ - قصة أصحاب ايلة الذين اعتدوا في سبتهم
و مجاهد و غير واحد هو أعدلهم و خيرهم (أَ لَمْ أَقُلْ لَكُمْ لَوْ لا تُسَبِّحُونَ) قيل تستثنون قاله مجاهد و السدي و ابن جرير و قيل تقولون خيرا بدل ما قلتم من الشر (قالُوا سُبْحانَ رَبِّنا إِنَّا كُنَّا ظالِمِينَ. فَأَقْبَلَ بَعْضُهُمْ عَلى بَعْضٍ يَتَلاوَمُونَ. قالُوا يا وَيْلَنا إِنَّا كُنَّا طاغِينَ). فندموا حيث لا ينفع الندم و اعترفوا بالذنب بعد العقوبة و ذلك حيث لا ينجع و قد قيل ان هؤلاء كانوا إخوة و قد ورثوا هذه الجنة من أبيهم و كان يتصدق منها كثيرا فلما صار أمرها اليهم استهجنوا أمر أبيهم و أرادوا استغلالها من غير أن يعطوا الفقراء شيئا فعاقبهم اللَّه أشد العقوبة و لهذا أمر اللَّه تعالى بالصدقة من الثمار و حث على ذلك يوم الجداد كما قال تعالى كُلُوا مِنْ ثَمَرِهِ إِذا أَثْمَرَ وَ آتُوا حَقَّهُ يَوْمَ حَصادِهِ ثم قيل كانوا من أهل اليمن من قرية يقال لها ضروان. و قيل من أهل الحبشة و اللَّه أعلم قال اللَّه تعالى كَذلِكَ الْعَذابُ أي هكذا نعذب من خالف أمرنا و لم يعطف على المحاويج من خلقنا (وَ لَعَذابُ الْآخِرَةِ أَكْبَرُ) أي أعظم و أحكم من عذاب الدنيا (لَوْ كانُوا يَعْلَمُونَ). و قصة هؤلاء شبيه بقوله تعالى ضَرَبَ اللَّهُ مَثَلًا قَرْيَةً كانَتْ آمِنَةً مُطْمَئِنَّةً يَأْتِيها رِزْقُها رَغَداً مِنْ كُلِّ مَكانٍ فَكَفَرَتْ بِأَنْعُمِ اللَّهِ فَأَذاقَهَا اللَّهُ لِباسَ الْجُوعِ وَ الْخَوْفِ بِما كانُوا يَصْنَعُونَ. وَ لَقَدْ جاءَهُمْ رَسُولٌ مِنْهُمْ فَكَذَّبُوهُ فَأَخَذَهُمُ الْعَذابُ وَ هُمْ ظالِمُونَ قيل هذا مثل مضروب لأهل مكة و قيل هم أهل مكة أنفسهم ضربهم مثلا لأنفسهم و لا ينافي ذلك و اللَّه أعلم انتهى
قصة أصحاب ايلة الذين اعتدوا في سبتهم
قال اللَّه تعالى في سورة الأعراف وَ سْئَلْهُمْ عَنِ الْقَرْيَةِ الَّتِي كانَتْ حاضِرَةَ الْبَحْرِ إِذْ يَعْدُونَ فِي السَّبْتِ إِذْ تَأْتِيهِمْ حِيتانُهُمْ يَوْمَ سَبْتِهِمْ شُرَّعاً وَ يَوْمَ لا يَسْبِتُونَ لا تَأْتِيهِمْ كَذلِكَ نَبْلُوهُمْ بِما كانُوا يَفْسُقُونَ. وَ إِذْ قالَتْ أُمَّةٌ مِنْهُمْ لِمَ تَعِظُونَ قَوْماً اللَّهُ مُهْلِكُهُمْ أَوْ مُعَذِّبُهُمْ عَذاباً شَدِيداً قالُوا مَعْذِرَةً إِلى رَبِّكُمْ وَ لَعَلَّهُمْ يَتَّقُونَ. فَلَمَّا نَسُوا ما ذُكِّرُوا بِهِ أَنْجَيْنَا الَّذِينَ يَنْهَوْنَ عَنِ السُّوءِ وَ أَخَذْنَا الَّذِينَ ظَلَمُوا بِعَذابٍ بَئِيسٍ بِما كانُوا يَفْسُقُونَ. فَلَمَّا عَتَوْا عَنْ ما نُهُوا عَنْهُ قُلْنا لَهُمْ كُونُوا قِرَدَةً خاسِئِينَ و قال تعالى في سورة البقرة وَ لَقَدْ عَلِمْتُمُ الَّذِينَ اعْتَدَوْا مِنْكُمْ فِي السَّبْتِ فَقُلْنا لَهُمْ كُونُوا قِرَدَةً خاسِئِينَ. فَجَعَلْناها نَكالًا لِما بَيْنَ يَدَيْها وَ ما خَلْفَها وَ مَوْعِظَةً لِلْمُتَّقِينَ و قال تعالى في سورة النساء أَوْ نَلْعَنَهُمْ كَما لَعَنَّا أَصْحابَ السَّبْتِ وَ كانَ أَمْرُ اللَّهِ مَفْعُولًا. قال ابن عباس و مجاهد و عكرمة و قتادة و السدي و غيرهم هم أهل ايلة. زاد ابن عباس بين مدين و الطور. قالوا و كانوا متمسكين بدين التوراة في تحريم السبت في ذلك الزمان فكانت الحيتان قد الفت منهم السكينة في مثل هذا اليوم و ذلك أنه كان يحرم عليهم الاصطياد فيه و كذلك جميع الصنائع و التجارات و المكاسب فكانت الحيتان في مثل يوم السبت يكثر غشيانها لمحلتهم من البحر فتأتى من هاهنا و هاهنا ظاهرة آمنة مسترسلة فلا يهيجونها و لا يذعرونها (وَ يَوْمَ لا يَسْبِتُونَ لا تَأْتِيهِمْ) و ذلك لأنهم كانوا يصطادونها فيما عدا السبت