البداية و النهاية - ابن كثير الدمشقي - الصفحة ١١٩ - قصة الرجلين المؤمن و الكافر
(وَ هُوَ يُحاوِرُهُ) أي يجادله (أَ كَفَرْتَ بِالَّذِي خَلَقَكَ مِنْ تُرابٍ ثُمَّ مِنْ نُطْفَةٍ ثُمَّ سَوَّاكَ رَجُلًا) أي أ جحدت المعاد و أنت تعلم أن اللَّه خلقك من تراب. ثم من نطفة ثم صورك أطوارا حتى صرت رجلا سويا سميعا بصيرا تعلم و تبطش و تفهم فكيف أنكرت المعاد و اللَّه قادر على البداءة (لكِنَّا هُوَ اللَّهُ رَبِّي) أي لكن أنا أقول بخلاف ما قلت و أعتقد خلاف معتقدك (هُوَ اللَّهُ رَبِّي وَ لا أُشْرِكُ بِرَبِّي أَحَداً) أي لا أعبد سواه و اعتقد أنه يبعث الأجساد بعد فنائها و يعيد الأموات و يجمع العظام الرفات و أعلم أن اللَّه لا شريك له في خلقه و لا في ملكه و لا إله غيره ثم أرشده إلى ما كان الاولى به أن يسلكه عند دخول جنته فقال (وَ لَوْ لا إِذْ دَخَلْتَ جَنَّتَكَ قُلْتَ ما شاءَ اللَّهُ لا قُوَّةَ إِلَّا بِاللَّهِ) و لهذا يستحب لكل من أعجبه شيء من ماله أو أهله أو حاله أن يقول كذلك و قد ورد فيه حديث مرفوع في صحته نظر*
قال أبو يعلى الموصلي حدثنا جراح بن مخلد حدثنا عمرو بن يوسف حدثنا عيسى بن عون حدثنا عبد الملك بن زرارة عن أنس قال قال رسول اللَّه (صلّى اللَّه عليه و سلّم) (ما أنعم اللَّه على عبد نعمة من أهل أو مال أو ولد فيقول ما شاء اللَّه لا قوة إلا باللَّه)
فيرى فيه أنه [١] دون الموت و كان يتأول هذه الآية وَ لَوْ لا إِذْ دَخَلْتَ جَنَّتَكَ قُلْتَ ما شاءَ اللَّهُ لا قُوَّةَ إِلَّا بِاللَّهِ قال الحافظ أبو الفتح الأزدي عيسى بن عون عن عبد الملك بن زرارة عن أنس لا يصح ثم قال المؤمن للكافر (فَعَسى رَبِّي أَنْ يُؤْتِيَنِ خَيْراً مِنْ جَنَّتِكَ) أي في الدار الآخرة (وَ يُرْسِلَ عَلَيْها حُسْباناً مِنَ السَّماءِ) قال ابن عباس و الضحاك و قتادة أي عذابا من السماء. و الظاهر أنه المطر المزعج الباهر الّذي يقتلع زروعها و أشجارها فَتُصْبِحَ صَعِيداً زَلَقاً) و هو التراب الأملس الّذي لا نبات فيه (أَوْ يُصْبِحَ ماؤُها غَوْراً) و هو ضد المعين السارح (فَلَنْ تَسْتَطِيعَ لَهُ طَلَباً) يعنى فلا تقدر على استرجاعه قال اللَّه تعالى وَ أُحِيطَ بِثَمَرِهِ أي جاءه أمر أحاط بجميع حواصله و خرب جنته و دمرها (فَأَصْبَحَ يُقَلِّبُ كَفَّيْهِ عَلى ما أَنْفَقَ فِيها وَ هِيَ خاوِيَةٌ عَلى عُرُوشِها) أي خربت بالكلية فلا عودة لها و ذلك ضد ما كان عليه أمل حيث قال (ما أَظُنُّ أَنْ تَبِيدَ هذِهِ أَبَداً) و ندم على ما كان سلف منه من القول (الّذي كفر بسببه باللَّه العظيم فهو يَقُولُ يا لَيْتَنِي لَمْ أُشْرِكْ بِرَبِّي أَحَداً). قال اللَّه تعالى وَ لَمْ تَكُنْ لَهُ فِئَةٌ يَنْصُرُونَهُ مِنْ دُونِ اللَّهِ وَ ما كانَ مُنْتَصِراً هُنالِكَ أي لم يكن أحد يتدارك ما فرط من أمره و ما كان له قدرة في نفسه على شيء من ذلك كما قال تعالى فَما لَهُ مِنْ قُوَّةٍ وَ لا ناصِرٍ و قوله (الْوَلايَةُ لِلَّهِ الْحَقِّ) و منهم من يبتدئ بقوله (هُنالِكَ الْوَلايَةُ لِلَّهِ الْحَقِّ) و هو حسن أيضا لقوله (الْمُلْكُ يَوْمَئِذٍ الْحَقُّ لِلرَّحْمنِ وَ كانَ يَوْماً عَلَى الْكافِرِينَ عَسِيراً) فالحكم الّذي لا يرد و لا يمانع و لا يغالب في تلك الحال و في كل حال للَّه الحق. و منهم من رفع الحق جعله صفة للولاية و هما متلازمتان و قوله (هُوَ خَيْرٌ ثَواباً وَ خَيْرٌ عُقْباً) أي معاملته خير لصاحبها ثوابا و هو الجزاء و خير عقبا و هو العاقبة في الدنيا و الآخرة. و هذه القصة تضمنت انه لا ينبغي لأحد أن يركن إلى الحياة الدنيا و لا يغتر
[١] كذا بالأصول و لعله فيرى فيه آفة دون الموت انتهى محمود الامام.