البداية و النهاية - ابن كثير الدمشقي - الصفحة ٢٨٥ - فصل في خروجه عليه الصلاة و السلام مع عمه أبى طالب إلى الشام و قصته مع بحيرى الراهب
شجرة و لا حجر الأخر ساجدا، و لا يسجدون الا لنبي، و إني أعرفه بخاتم النبوة أسفل من غضروف كتفه. ثم رجع فصنع لهم طعاما فلما أتاهم به- و كان هو في رعية الإبل- فقال أرسلوا اليه فاقبل و عمامة تظله. فلما دنا من القوم قال انظروا اليه عليه غمامة فلما دنا من القوم وجدهم قد سبقوه الى في الشجرة فلما جلس مال فيء الشجرة عليه. قال انظروا الى في الشجرة مال عليه قال فبينما هو قائم عليهم و هو ينشدهم ألا يذهبوا به الى الروم فان الروم إن رأوه عرفوه بالصفة فقتلوه فالتفت فإذا هو بسبعة نفر من الروم قد أقبلوا. قال فاستقبلهم فقال ما جاء بكم؟ قالوا جئنا أن هذا النبي خارج في هذا الشهر فلم يبق طريق الا بعث اليه ناس و إنا أخبرنا خبره الى طريقك هذه. قال فهل خلفكم أحد هو خير منكم؟ قالوا لا إنما أخبرنا خبره الى طريقك هذه. قال أ فرأيتم أمرا أراد اللَّه أن يقضيه هل يستطيع أحد من الناس رده؟ فقالوا لا. قال فبايعوه و أقاموا معه عنده. قال فقال الراهب أنشدكم اللَّه أيكم وليه؟ قالوا أبو طالب. فلم يزل يناشده حتى رده و بعث معه أبو بكر بلالا و زوده الراهب من الكعك و الزيت. هكذا رواه الترمذي عن أبى العباس الفضل بن سهل الأعرج عن قراد ابى نوح به. و الحاكم و البيهقي. و ابن عساكر من طريق أبى العباس محمد بن يعقوب الأصم عن عباس بن محمد الدوري به. و هكذا رواه غير واحد من الحفاظ من حديث أبى نوح عبد الرحمن بن غزوان الخزاعي مولاهم، و يقال له الضبيّ و يعرف بقراد. سكن بغداد و هو من الثقات الذين أخرج لهم البخاري، و وثقه جماعة من الأئمة و الحفاظ و لم أر أحدا جرحه و مع هذا في حديثه هذا غرابة، قال الترمذي حسن غريب لا نعرفه الا من هذا الوجه. و قال عباس الدوري ليس في الدنيا أحد يحدث به غير قراد أبى نوح و قد سمعه منه أحمد بن حنبل (رحمه اللَّه) و يحيى بن معين لغرابته و انفراده حكاه البيهقي و ابن عساكر.
قلت: فيه من الغرائب أنه من مرسلات الصحابة فان أبا موسى الأشعري إنما قدم في سنة خيبر سنة سبع من الهجرة. و لا يلتفت إلى قول ابن إسحاق في جعله له من المهاجرة إلى أرض الحبشة من مكة و على كل تقدير فهو مرسل. فان هذه القصة كانت و لرسول اللَّه (صلّى اللَّه عليه و سلّم) من العمر فما ذكره بعضهم ثنتا عشرة سنة، و لعل أبا موسى تلقاه من النبي (صلّى اللَّه عليه و سلّم) فيكون أبلغ، أو من بعض كبار الصحابة رضى اللَّه عنهم، أو كان هذا مشهورا مذكورا أخذه من طريق الاستفاضة.
الثاني: أن الغمامة لم تذكر في حديث أصح من هذا.
الثالث: أن قوله و بعث معه أبو بكر بلالا إن كان عمره عليه الصلاة و السلام إذ ذاك ثنتى عشرة سنة فقد كان عمر أبى بكر إذ ذاك تسع سنين أو عشرة، و عمر بلال أقل من ذلك، فأين كان أبو بكر إذ ذاك؟ ثم أين كان بلال؟ كلاهما غريب اللَّهمّ إلا أن يقال إن هذا كان و رسول اللَّه (صلّى اللَّه عليه و سلّم) كبيرا. إما بأن يكون سفره بعد هذا أو إن كان القول بأن عمره كان إذ ذاك ثنتى عشرة سنة غير محفوظ، فإنه إنما