البداية و النهاية - ابن كثير الدمشقي - الصفحة ٣٠٦ - كتاب مبعث رسول اللَّه (صلّى اللَّه عليه و سلّم)
كتاب مبعث رسول اللَّه (صلّى اللَّه عليه و سلّم)
تسليما كثيرا. و ذكر شيء من البشارات بذلك قال محمد بن إسحاق (رحمه اللَّه): و كانت الأحبار من اليهود و الكهان من النصارى و من العرب قد تحدثوا بأمر رسول اللَّه (صلّى اللَّه عليه و سلّم) قبل مبعثه لما تقارب زمانه، أما الأحبار من اليهود و الرهبان من النصارى فعما وجدوا في كتبهم من صفته و صفة زمانه و ما كان من عهد أنبيائهم اليهم فيه. قال اللَّه تعالى الَّذِينَ يَتَّبِعُونَ الرَّسُولَ النَّبِيَّ الْأُمِّيَّ الَّذِي يَجِدُونَهُ مَكْتُوباً عِنْدَهُمْ فِي التَّوْراةِ وَ الْإِنْجِيلِ الآية و قال اللَّه تعالى وَ إِذْ قالَ عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ يا بَنِي إِسْرائِيلَ إِنِّي رَسُولُ اللَّهِ إِلَيْكُمْ مُصَدِّقاً لِما بَيْنَ يَدَيَّ مِنَ التَّوْراةِ وَ مُبَشِّراً بِرَسُولٍ يَأْتِي مِنْ بَعْدِي اسْمُهُ أَحْمَدُ. و قال اللَّه تعالى مُحَمَّدٌ رَسُولُ اللَّهِ وَ الَّذِينَ مَعَهُ أَشِدَّاءُ عَلَى الْكُفَّارِ رُحَماءُ بَيْنَهُمْ تَراهُمْ رُكَّعاً سُجَّداً يَبْتَغُونَ فَضْلًا مِنَ اللَّهِ وَ رِضْواناً سِيماهُمْ فِي وُجُوهِهِمْ مِنْ أَثَرِ السُّجُودِ ذلِكَ مَثَلُهُمْ فِي التَّوْراةِ وَ مَثَلُهُمْ فِي الْإِنْجِيلِ الآية [١]. و قال اللَّه تعالى وَ إِذْ أَخَذَ اللَّهُ مِيثاقَ النَّبِيِّينَ لَما آتَيْتُكُمْ مِنْ كِتابٍ وَ حِكْمَةٍ ثُمَّ جاءَكُمْ رَسُولٌ مُصَدِّقٌ لِما مَعَكُمْ لَتُؤْمِنُنَّ بِهِ وَ لَتَنْصُرُنَّهُ، قالَ أَ أَقْرَرْتُمْ وَ أَخَذْتُمْ عَلى ذلِكُمْ إِصْرِي؟ قالُوا أَقْرَرْنا قالَ فَاشْهَدُوا وَ أَنَا مَعَكُمْ مِنَ الشَّاهِدِينَ و في صحيح البخاري عن ابن عباس قال: «ما بعث اللَّه نبيا إلا أخذ عليه الميثاق لئن بعث محمد و هو حي ليؤمنن به و لينصرنه، و أمره أن يأخذ على أمته الميثاق لئن بعث محمد و هم أحياء ليؤمنن به و لينصرنه و ليتبعنه». يعلم من هذا أن جميع الأنبياء بشروا و أمروا باتباعه.
و قد قال إبراهيم (عليه السلام) فيما دعا به لأهل مكة: (رَبَّنا وَ ابْعَثْ فِيهِمْ رَسُولًا مِنْهُمْ يَتْلُوا عَلَيْهِمْ آياتِكَ) الآية.
و قال الامام أحمد: حدثنا أبو النضر حدثنا الفرج بن فضالة حدثنا لقمان بن عامر سمعت أبا أمامة قال قلت يا رسول اللَّه، ما كان بدء أمرك؟ قال: «دعوة أبى إبراهيم، و بشرى عيسى، و رأت أمى أنه يخرج منها نور أضاءت له قصور الشام»
و قد روى محمد بن إسحاق عن ثور بن يزيد عن خالد بن معدان عن أصحاب رسول اللَّه (صلّى اللَّه عليه و سلّم) عنه مثله. و معنى هذا أنه أراد بدء أمره بين الناس و اشتهار ذكره و انتشاره فذكر دعوة إبراهيم الّذي تنسب اليه العرب، ثم بشرى عيسى الّذي هو خاتم أنبياء بنى إسرائيل كما تقدم. يدل هذا على أن من بينهما من الأنبياء بشروا به أيضا.
أما في الملأ الأعلى فقد كان أمره مشهورا مذكورا معلوما من قبل خلق آدم عليه الصلاة و السلام كما
قال الامام أحمد حدثنا عبد الرحمن بن مهدي حدثنا معاوية بن صالح عن سعيد بن سويد الكلبي
[١] من أول هنا ليس موجودا في المصرية الى قوله و أما الكهان من صفحة ٣٠٧.