البداية و النهاية - ابن كثير الدمشقي - الصفحة ٢٢٢ - ذكر شيء من أخبار أمية بن أبى الصلت الثقفي كان من شعراء الجاهلية و قد أدرك زمن الإسلام
و جلت منه من منقلبي قلت و هل لك من منقلب. قال: أي و اللَّه لأموتن ثم لأحيين قال قلت هل أنت قابل أمانتى قال على ما ذا قلت على أنك لا تبعث و لا تحاسب قال فضحك ثم قال: بلى! و اللَّه يا أبا سفيان لنبعثن ثم لنحاسبن و ليدخلن فريق الجنة و فريق النار. قلت: ففي أيهما أنت أخبرك صاحبك قال لا علم لصاحبي بذلك لا فىّ و لا في نفسه قال فكنا في ذلك ليلتين يعجب منى و أضحك منه حتى قدمنا غوطة دمشق فبعنا متاعنا و أقمنا بها شهرين فارتحلنا حتى نزلنا قرية من قرى النصارى فلما رأوه جاءوه و اهدوا له و ذهب معهم الى بيعتهم [١] فما جاء الا بعد منتصف النهار فلبس ثوبيه و ذهب اليهم حتى جاء بعد هدأة من الليل فطرح ثوبيه و رمى بنفسه على فراشه فو اللَّه ما نام و لا قام و أصبح حزينا كئيبا لا يكلمنا و لا نكلمه. ثم قال: الا ترحل قلت بلى ان شئت فرحلنا كذلك من بثه و حزنه ليالي [٢]. ثم قال لي:
يا أبا سفيان هل لك في المسير لنتقدم أصحابنا قلت هل لك فيه قال نعم! فسرنا حتى برزنا من أصحابنا ساعة ثم قال: هيا صخر. فقلت: ما تشاء؟ قال حدثني عن عتبة بن ربيعة أ يجتنب المظالم و المحارم قلت: إي و اللَّه قال: و يصل الرحم و يأمر بصلتها. قلت إي و اللَّه! قال و كريم الطرفين وسط في العشيرة قلت نعم! قال فهل تعلم قرشيا أشرف منه؟ قلت لا و اللَّه لا أعلم قال أ محوج هو قلت لا بل هو ذو مال كثير قال و كم أتى عليه من السن فقلت قد زاد على المائة قال فالشرف و السن و المال أزرين به قلت و لم ذاك يزرى به لا و اللَّه بل يزيده خيرا قال هو ذاك. هل لك في المبيت قلت لي فيه قال فاضطجعنا حتى مر الثقل قال فسرنا حتى نزلنا في المنزل و بتنا به ثم ارتحلنا منه فلما كان الليل قال لي يا أبا سفيان قلت ما تشاء قال هل لك في مثل البارحة قلت هل لك فيه قال: نعم فسرنا على ناقتين بختيتين حتى إذا برزنا قال: هيا صخر، هيه عن عتبة بن ربيعة قال قلت هيها فيه قال أ يجتنب المحارم و المظالم و يصل الرحم و يأمر بصلتها قلت إي و اللَّه انه ليفعل قال و ذو مال قلت و ذو مال قال أ تعلم قرشيا أسود منه قلت: لا و اللَّه ما أعلم؟ قال كم أتى له من السن قلت قد زاد على المائة قال فان السن و الشرف و المال أزرين به قلت كلا و اللَّه ما ازرى به ذلك و أنت قائل شيئا فقله. قال لا تذكر حديثي يأتى منه ما هو آت ثم قال فان الّذي رأيت أصابنى أنى جئت هذا العالم فسألته عن أشياء ثم قلت أخبرنى عن هذا النبي الّذي ينتظر قال هو رجل من العرب قلت قد علمت أنه من العرب فمن أي العرب هو قال من أهل بيت تحجه العرب قلت و فينا بيت تحجه العرب قال هو من إخوانكم من قريش فأصابني و اللَّه شيء ما أصابني مثله قط و خرج من يدي فوز الدنيا و الآخرة و كنت أرجو ان أكون إياه قلت فإذا كان ما كان فصفه لي قال رجل شاب حين دخل في الكهولة. بدوّ أمره يجتنب المظالم و المحارم و يصل الرحم و يأمر بصلتها و هو محوج كريم الطرفين متوسط في العشيرة أكثر جنده من الملائكة قلت و ما آية ذلك قال قد رجفت الشام منذ هلك عيسى بن مريم (عليه السلام) ثمانين رجفة كلها
[١] في ابن عساكر الى بيوتهم
[٢] كذا في الأصل: و لعلها: فرحلنا كذلك و هو في بثه إلخ