البداية و النهاية - ابن كثير الدمشقي - الصفحة ٣٢٧
رَبِّنا إِنَّا كُنَّا مِنْ قَبْلِهِ مُسْلِمِينَ) و قال تعالى الَّذِينَ آتَيْناهُمُ الْكِتابَ يَعْرِفُونَهُ كَما يَعْرِفُونَ أَبْناءَهُمْ وَ إِنَّ فَرِيقاً مِنْهُمْ لَيَكْتُمُونَ الْحَقَّ وَ هُمْ يَعْلَمُونَ و قال تعالى إِنَّ الَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ مِنْ قَبْلِهِ إِذا يُتْلى عَلَيْهِمْ يَخِرُّونَ لِلْأَذْقانِ سُجَّداً وَ يَقُولُونَ سُبْحانَ رَبِّنا إِنْ كانَ وَعْدُ رَبِّنا لَمَفْعُولًا أي ان كان وعدنا ربنا بوجود محمد و إرساله لكائن لا محالة فسبحان القدير على ما يشاء لا يعجزه شيء. و قال تعالى اخبارا عن القسيسين و الرهبان وَ إِذا سَمِعُوا ما أُنْزِلَ إِلَى الرَّسُولِ تَرى أَعْيُنَهُمْ تَفِيضُ مِنَ الدَّمْعِ مِمَّا عَرَفُوا مِنَ الْحَقِّ يَقُولُونَ رَبَّنا آمَنَّا فَاكْتُبْنا مَعَ الشَّاهِدِينَ و في قصة النجاشي و سلمان و عبد اللَّه بن سلام و غيرهم كما سيأتي شواهد كثيرة لهذا المعنى و للَّه الحمد و المنة.
و ذكرنا في تضاعيف قصص الأنبياء ما تقدم الإشارة اليه من وصفهم لبعثة رسول اللَّه (صلّى اللَّه عليه و سلّم) و نعته و بلد مولده و دار مهاجره و نعت أمته في قصة موسى و شعيا و أرمياء و دانيال و غيرهم و قد أخبر اللَّه تعالى عن آخر أنبياء بنى إسرائيل و خاتمهم عيسى بن مريم انه قام في بنى إسرائيل خطيبا قائلا لهم (إِنِّي رَسُولُ اللَّهِ إِلَيْكُمْ مُصَدِّقاً لِما بَيْنَ يَدَيَّ مِنَ التَّوْراةِ وَ مُبَشِّراً بِرَسُولٍ يَأْتِي مِنْ بَعْدِي اسْمُهُ أَحْمَدُ). و في الإنجيل البشارة بالفارقليط و المراد محمد (صلّى اللَّه عليه و سلّم). و
روى البيهقي عن الحاكم عن الأصم عن أحمد بن عبد الجبار عن يونس بن بكير عن يونس بن عمرو عن العيزار بن حرب عن عائشة رضى اللَّه عنها أن رسول اللَّه (صلّى اللَّه عليه و سلّم) قال «مكتوب في الإنجيل لافظ و لا غليظ و لا صخاب في الأسواق و لا يجزى بالسيئة مثلها بل يعفو و يصفح»
و قال يعقوب بن سفيان حدثنا فيض البجلي حدثنا سلام بن مسكين عن مقاتل ابن حيان قال: أوحى اللَّه عز و جل الى عيسى بن مريم جد في أمرى و اسمع و أطع يا ابن الطاهرة البكر البتول- أنا خلقتك من غير فحل فجعلتك آية للعالمين فإياي فاعبد فبين لأهل سوران بالسريانية، بلغ من بين يديك انى أنا الحق القائم الّذي لا أزول صدقوا بالنبيّ الأمي العربيّ صاحب الجمل و المدرعة و العمامة- و هي التاج- و النعلين و الهراوة- و هي القضيب- الجعد الرأس الصلت الجبين المقرون الحاجبين الأنجل العينين الاهدب الأشفار الأدعج العينين الأقنى الأنف الواضح الخدين الكث اللحية عرقه في وجهه كاللؤلؤ ريح المسك ينضح منه كأن عنقه إبريق فضة و كان الذهب يجرى في تراقيه له شعرات من لبته الى سرته تجرى كالقضيب ليس في بطنه شعر غيره شثن الكف و القدم إذا جاء مع الناس غمرهم و إذا مشى كأنما ينقلع من الصخر و يتحدر من صبب ذو النسل القليل- و كأنه أراد الذكور من صلبه- هكذا رواه البيهقي في دلائل النبوة من طريق يعقوب بن سفيان. و روى البيهقي عن عثمان بن الحكم بن رافع بن سنان حدثني بعض عمومتي و آبائي أنهم كانت عندهم ورقة يتوارثونها في الجاهلية حتى جاء اللَّه بالإسلام و بقيت عندهم فلما قدم رسول اللَّه (صلّى اللَّه عليه و سلّم) المدينة ذكر و هاله و أتوه بها مكتوب فيها بسم اللَّه و قوله الحق و قول الظالمين في تباب. هذا الذكر لأمة تأتى في آخر الزمان ليبلون اطرافهم و يوترون على