البداية و النهاية - ابن كثير الدمشقي - الصفحة ٨٦ - ذكر خبر المائدة
ذكر خبر المائدة
قال اللَّه تعالى إِذْ قالَ الْحَوارِيُّونَ يا عِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ هَلْ يَسْتَطِيعُ رَبُّكَ أَنْ يُنَزِّلَ عَلَيْنا مائِدَةً مِنَ السَّماءِ قالَ اتَّقُوا اللَّهَ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ قالُوا نُرِيدُ أَنْ نَأْكُلَ مِنْها وَ تَطْمَئِنَّ قُلُوبُنا وَ نَعْلَمَ أَنْ قَدْ صَدَقْتَنا وَ نَكُونَ عَلَيْها مِنَ الشَّاهِدِينَ قالَ عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ اللَّهُمَّ رَبَّنا أَنْزِلْ عَلَيْنا مائِدَةً مِنَ السَّماءِ تَكُونُ لَنا عِيداً لِأَوَّلِنا وَ آخِرِنا وَ آيَةً مِنْكَ وَ ارْزُقْنا وَ أَنْتَ خَيْرُ الرَّازِقِينَ. قالَ اللَّهُ إِنِّي مُنَزِّلُها عَلَيْكُمْ فَمَنْ يَكْفُرْ بَعْدُ مِنْكُمْ فَإِنِّي أُعَذِّبُهُ عَذاباً لا أُعَذِّبُهُ أَحَداً مِنَ الْعالَمِينَ قد ذكرنا في التفسير الآثار الواردة في نزول المائدة عن ابن عباس و سلمان الفارسي و عمار بن ياسر و غيرهم من السلف و مضمون ذلك أن عيسى (عليه السلام) امر الحواريين بصيام ثلاثين يوما فلما أتموها سألوا من عيسى إنزال مائدة من السماء عليهم ليأكلوا منها و تطمئن بذلك قلوبهم ان اللَّه قد تقبل صيامهم و أجابهم الى طلبتهم و تكون لهم عيدا يفطرون عليها يوم فطرهم و تكون كافية لأولهم و آخرهم لغنيهم و فقيرهم فوعظهم عيسى في ذلك و خاف عليهم أن لا يقوموا بشكرها و لا يؤدوا حق شروطها فأبوا عليه الا أن يسأل لهم ذلك من ربه عز و جل فلما لم يقلعوا عن ذلك قام الى مصلاه و لبس مسحا من شعر وصف بين قدميه و أطرق رأسه و أسبل عينيه بالبكاء و تضرع الى اللَّه في الدعاء و السؤال أن يجابوا الى ما طلبوا فانزل اللَّه تعالى المائدة من السماء و الناس ينظرون اليها تنحدر بين غمامتين و جعلت تدنو قليلا قليلا و كلما دنت سأل عيسى ربه عز و جل أن يجعلها رحمة لا نقمة و ان يجعلها بركة و سلامة فلم تزل تدنو حتى استقرت بين يدي عيسى (عليه السلام) و هي مغطاة بمنديل فقام عيسى يكشف عنها و هو يقول (بسم اللَّه خير الرازقين) فإذا عليها سبعة من الحيتان و سبعة أرغفة. و يقال و خل. و يقال و رمان و ثمار و لها رائحة عظيمة جدا قال اللَّه لها كوني فكانت ثم أمرهم بالأكل منها فقالوا لا نأكل حتى تأكل فقال إنكم الذين ابتدأ تم السؤال لها فأبوا أن يأكلوا منها ابتداء فامر الفقراء و المحاويج و المرضى و الزمنى و كانوا قريبا من ألف و ثلاثمائة فأكلوا منها فبرأ كل من به عاهة أو آفة أو مرض مزمن فندم الناس على ترك الاكل منها لما رأوا من إصلاح حال أولئك. ثم قيل إنها كانت تنزل كل يوم مرة فيأكل الناس منها يأكل آخرهم كما يأكل أولهم حتى قيل إنها كان يأكل منها نحو سبعة آلاف. ثم كانت تنزل يوما بعد يوم كما كانت ناقة صالح يشربون لبنها يوما بعد يوم. ثم أمر اللَّه عيسى أن يقصرها على الفقراء أو المحاويج دون الأغنياء فشق ذلك على كثير من الناس و تكلم منافقوهم في ذلك فرفعت بالكلية و مسخ الذين تكلموا في ذلك خنازير.
و قد روى ابن ابى حاتم و ابن جرير جميعا حدثنا الحسن بن قزعة الباهلي حدثنا سفيان بن حبيب حدثنا سعيد بن أبى عروبة عن قتادة عن خلاس عن عمار بن ياسر عن النبي (صلّى اللَّه عليه و سلّم) قال نزلت المائدة من السماء خبز و لحم و أمروا أن لا يخونوا و لا يدخروا و لا يرفعوا لغد فخانوا و ادخروا و رفعوا فمسخوا قردة