البداية و النهاية - ابن كثير الدمشقي - الصفحة ٨٥ - * بيان شجرة طوبى ما هي
فَأَصْبَحُوا ظاهِرِينَ فعيسى (عليه السلام) هو خاتم أنبياء بنى إسرائيل و قد قام فيهم خطيبا فبشرهم بخاتم الأنبياء الآتي بعده و نوه باسمه و ذكر لهم صفته ليعرفوه و يتابعوه إذا شاهدوه اقامة للحجة عليهم و إحسانا من اللَّه اليهم كما قال تعالى الَّذِينَ يَتَّبِعُونَ الرَّسُولَ النَّبِيَّ الْأُمِّيَّ الَّذِي يَجِدُونَهُ مَكْتُوباً عِنْدَهُمْ فِي التَّوْراةِ وَ الْإِنْجِيلِ يَأْمُرُهُمْ بِالْمَعْرُوفِ وَ يَنْهاهُمْ عَنِ الْمُنْكَرِ وَ يُحِلُّ لَهُمُ الطَّيِّباتِ وَ يُحَرِّمُ عَلَيْهِمُ الْخَبائِثَ وَ يَضَعُ عَنْهُمْ إِصْرَهُمْ وَ الْأَغْلالَ الَّتِي كانَتْ عَلَيْهِمْ فَالَّذِينَ آمَنُوا بِهِ وَ عَزَّرُوهُ وَ نَصَرُوهُ وَ اتَّبَعُوا النُّورَ الَّذِي أُنْزِلَ مَعَهُ أُولئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ قال محمد بن إسحاق حدثني ثور بن يزيد عن خالد بن معدان عن أصحاب رسول اللَّه (صلّى اللَّه عليه و سلّم) انهم قالوا يا رسول اللَّه أخبرنا عن نفسك قال دعوة أبى إبراهيم و بشرى عيسى و رأت أمى حين حملت بى كأنه خرج منها نور أضاءت له قصور بصرى من أرض الشام. و قد روى عن العرباض بن سارية و أبى امامة عن النبي (صلّى اللَّه عليه و سلّم) نحو هذا و فيه دعوة أبى إبراهيم و بشرى عيسى و ذلك ان إبراهيم لما بنى الكعبة قال رَبَّنا وَ ابْعَثْ فِيهِمْ رَسُولًا مِنْهُمْ الآية و لما انتهت النبوة في بنى إسرائيل الى عيسى قام فيهم خطيبا فأخبرهم أن النبوة قد انقطعت عنهم و انها بعده في النبي العربيّ الأمي خاتم الأنبياء على الإطلاق احمد و هو محمد ابن عبد اللَّه بن عبد المطلب بن هاشم الّذي هو من سلالة إسماعيل بن إبراهيم الخليل (عليهم السلام) قال اللَّه تعالى فَلَمَّا جاءَهُمْ بِالْبَيِّناتِ قالُوا هذا سِحْرٌ مُبِينٌ يحتمل عود الضمير الى عيسى (عليه السلام) و يحتمل عوده الى محمد (صلّى اللَّه عليه و سلّم) ثم حرض تعالى عباده المؤمنين على نصرة الإسلام و اهله و نصرة نبيه و مؤازرته و معاونته على اقامة الدين و نشر الدعوة فقال يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُونُوا أَنْصارَ اللَّهِ كَما قالَ عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ لِلْحَوارِيِّينَ مَنْ أَنْصارِي إِلَى اللَّهِ أي من يساعدني في الدعوة الى اللَّه قالَ الْحَوارِيُّونَ نَحْنُ أَنْصارُ اللَّهِ و كان ذلك في قرية يقال لها الناصرة فسموا بذلك النصارى قال اللَّه تعالى فَآمَنَتْ طائِفَةٌ مِنْ بَنِي إِسْرائِيلَ وَ كَفَرَتْ طائِفَةٌ يعنى لما دعا عيسى بنى إسرائيل و غيرهم الى اللَّه تعالى منهم من آمن و منهم من كفر و كان ممن آمن به أهل انطاكية بكمالهم فيما ذكره غير واحد من أهل السير و التواريخ و التفسير بعث اليهم رسلا ثلاثة أحدهم شمعون الصفا فآمنوا و استجابوا و ليس هؤلاء هم المذكورون في سورة يس لما تقدم تقريره في قصة أصحاب القرية و كفر آخرون من بنى إسرائيل و هم جمهور اليهود فايد اللَّه من آمن به على من كفر فيما بعد و أصبحوا ظاهرين عليهم قاهرين لهم كما قال تعالى إِذْ قالَ اللَّهُ يا عِيسى إِنِّي مُتَوَفِّيكَ وَ رافِعُكَ إِلَيَّ وَ مُطَهِّرُكَ مِنَ الَّذِينَ كَفَرُوا وَ جاعِلُ الَّذِينَ اتَّبَعُوكَ فَوْقَ الَّذِينَ كَفَرُوا إِلى يَوْمِ الْقِيامَةِ الآية فكل من كان اليه أقرب كان عاليا فمن دونه و لما كان قول المسلمين فيه هو الحق الّذي لا شك فيه من أنه عبد اللَّه و رسوله كانوا ظاهرين على النصارى الذين غلوا فيه و اطروه و أنزلوه فوق ما أنزله اللَّه به و لما كان النصارى أقرب في الجملة مما ذهب اليه اليهود عليهم لعائن اللَّه كان النصارى قاهرين لليهود في أزمان الفترة الى زمن الإسلام و أهله
.