البداية و النهاية - ابن كثير الدمشقي - الصفحة ٤٥ - و هذه قصة العزير
بعجوز عمياء مقعدة قد أتى عليها مائة و عشرون سنة كانت أمة لهم فخرج عنهم عزير و هي بنت عشرين سنة كانت عرفته و عقلته فلما أصابها الكبر أصابها الزمانة. فقال لها عزير يا هذه أ هذا منزل عزير قالت نعم هذا منزل عزير فبكت و قالت ما رأيت أحدا من كذا و كذا سنة يذكر عزيرا و قد نسيه الناس قال فانى انا عزير كان اللَّه أماتني مائة سنة ثم بعثني قالت سبحان اللَّه فان عزيرا قد فقدناه منذ مائة سنة فلم نسمع له بذكر قال فانى أنا عزير قالت فان عزيرا رجل مستجاب الدعوة يدعو للمريض و لصاحب البلاء بالعافية و الشفاء فادع اللَّه أن يرد على بصرى حتى أراك فان كنت عزيرا عرفتك. قال فدعا ربه و مسح بيده على عينيها فصحتا و أخذ بيدها و قال قومي باذن اللَّه فأطلق اللَّه رجليها فقامت صحيحة كأنما نشطت من عقال فنظرت فقالت اشهد انك عزير و انطلقت الى محلة بنى إسرائيل و هم في أنديتهم و مجالسهم و ابن لعزير شيخ ابن مائة سنة و ثماني عشر سنة و بنى بنيه شيوخ في المجلس فنادتهم فقالت هذا عزير قد جاءكم فكذبوها فقالت أنا فلانة مولاتكم دعا لي ربه فرد على بصرى و أطلق رجلي و زعم أن اللَّه أماته مائة سنة ثم بعثه قال فنهض الناس فاقبلوا اليه فنظروا اليه فقال ابنه كان لأبي شامة سوداء بين كتفيه فكشف عن كتفيه فإذا هو عزير فقالت بنو إسرائيل فإنه لم يكن فينا أحد حفظ التوراة فيما حدثنا غير عزير و قد حرق نصر التوراة و لم يبق منها شيء الا ما حفظت الرجال فاكتبها لنا و كان أبوه سروخا و قد دفن التوراة أيام نصر في موضع لم يعرفه أحد غير عزير فانطلق بهم الى ذلك الموضع فحفره فاستخرج التوراة و كان قد عفن الورق و درس الكتاب قال و جلس في ظل شجرة و بنو إسرائيل حوله فجدد لهم التوراة و نزل من السماء شهابان حتى دخلا جوفه فتذكر التوراة فجددها لبني إسرائيل. فمن ثم قالت اليهود عزير بن اللَّه للذي كان من أمر الشهابين و تجديده التوراة و قيامه بأمر بنى إسرائيل و كان جدد لهم التوراة بأرض السواد بدير حزقيل. و القرية التي مات فيها يقال لها سايراباذ* قال ابن عباس فكان كما قال اللَّه تعالى وَ لِنَجْعَلَكَ آيَةً لِلنَّاسِ يعنى لبني إسرائيل. و ذلك انه كان يجلس مع بنيه و هم شيوخ و هو شاب لانه مات و هو ابن أربعين سنة فبعثه اللَّه شابا كهيئة يوم مات قال ابن عباس بعث بعد نصر و كذلك قال الحسن و قد أنشد ابو حاتم السجستاني في معنى ما قاله ابن عباس.
و اسود رأس شاب من قبله ابنه* * * و من قبله ابن ابنه فهو أكبر
يرى ابنه شيخا يدب على عصا* * * و لحيته سوداء و الرأس أشقر
و ما لابنه حيل و لا فضل قوة* * * يقوم كما يمشى الصبى فيعثر
يعد ابنه في الناس تسعين حجة* * * و عشرين لا يجرى و لا يتبختر
و عمر أبيه أربعون أمرّها* * * و لان ابنه تسعون في الناس عبر
فما هو في المعقول ان كنت داريا* * * و ان كنت لا تدري فبالجهل تعذر