البداية و النهاية - ابن كثير الدمشقي - الصفحة ٥٦ - قصة عيسى بن مريم عبد اللَّه و رسوله و ابن أمته عليه من اللَّه أفضل الصلاة و السلام
قصة عيسى بن مريم عبد اللَّه و رسوله و ابن أمته عليه من اللَّه أفضل الصلاة و السلام
قال اللَّه تعالى في سورة آل عمران التي أنزل صدرها و هو ثلاث و ثمانون آية منها في الرد على النصارى عليهم لعائن اللَّه الذين زعموا ان للَّه ولدا تعالى اللَّه عما يقولون علوا كبيرا. و كان قد قدم وفد نجران منهم على رسول اللَّه (صلّى اللَّه عليه و سلّم) فجعلوا يذكرون ما هم عليه من الباطل من التثليث في الأقانيم و يدعون بزعمهم ان اللَّه ثالث ثلاثة و هم الذات المقدسة و عيسى و مريم على اختلاف فرقهم فانزل اللَّه عز و جل صدر هذه السورة بين فيها ان عيسى عبد من عباد اللَّه خلقه و صوره في الرحم كما صور غيره من المخلوقات و انه خلقه من غير أب كما خلق آدم من غير أب و لا أم و قال له كن فكان سبحانه و تعالى. و بين أصل ميلاد أمه مريم و كيف كان من أمرها و كيف حملت بولدها عيسى و كذلك بسط ذلك في سورة مريم كما سنتكلم على ذلك كله بعون اللَّه و حسن توفيقه و هدايته فقال تعالى و هو اصدق القائلين إِنَّ اللَّهَ اصْطَفى آدَمَ وَ نُوحاً وَ آلَ إِبْراهِيمَ وَ آلَ عِمْرانَ عَلَى الْعالَمِينَ. ذُرِّيَّةً بَعْضُها مِنْ بَعْضٍ وَ اللَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ. إِذْ قالَتِ امْرَأَتُ عِمْرانَ رَبِّ إِنِّي نَذَرْتُ لَكَ ما فِي بَطْنِي مُحَرَّراً فَتَقَبَّلْ مِنِّي إِنَّكَ أَنْتَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ. فَلَمَّا وَضَعَتْها قالَتْ رَبِّ إِنِّي وَضَعْتُها أُنْثى وَ اللَّهُ أَعْلَمُ بِما وَضَعَتْ وَ لَيْسَ الذَّكَرُ كَالْأُنْثى وَ إِنِّي سَمَّيْتُها مَرْيَمَ وَ إِنِّي أُعِيذُها بِكَ وَ ذُرِّيَّتَها مِنَ الشَّيْطانِ الرَّجِيمِ فَتَقَبَّلَها رَبُّها بِقَبُولٍ حَسَنٍ وَ أَنْبَتَها نَباتاً حَسَناً وَ كَفَّلَها زَكَرِيَّا كُلَّما دَخَلَ عَلَيْها زَكَرِيَّا الْمِحْرابَ وَجَدَ عِنْدَها رِزْقاً قالَ يا مَرْيَمُ أَنَّى لَكِ هذا قالَتْ هُوَ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ يَرْزُقُ مَنْ يَشاءُ بِغَيْرِ حِسابٍ يذكر تعالى انه اصطفى آدم (عليه السلام) و الخلص من ذريته المتبعين شرعه الملازمين طاعته ثم خصص فقال و آل إبراهيم فدخل فيهم بنو إسماعيل و بنو إسحاق. ثم ذكر فضل هذا البيت الطاهر الطيب و هم آل عمران و المراد بعمران هذا والد مريم (عليها السلام) و قال محمد ابن إسحاق و هو عمران بن باشم بن أمون ابن ميشا بن حزقيا بن احريق بن موثم بن عزازيا بن امصيا بن ياوش بن احريهو بن يازم بن يهفاشاط بن ايشا بن أيان بن رحبعام بن سليمان بن داود* و قال ابو القاسم بن عساكر مريم بنت عمران بن ماثان بن العازر بن اليود بن اخنر بن صادوق بن عيازوز بن الياقيم بن ايبود بن زريابيل بن شالتال بن يوحينا بن برشا بن امون بن ميشا بن حزقا بن أحاز بن موثام بن عزريا بن يورام بن يوشافاط ابن ايشا بن ايبا بن رحبعام ابن سليمان بن داود (عليه السلام) و فيه مخالفة كما ذكره محمد بن إسحاق و لا خلاف انها من سلالة داود (عليه السلام) و كان أبوها عمران صاحب صلاة بنى إسرائيل في زمانه و كانت أمها و هي حنة بنت فاقود بن قبيل من العابدات و كان زكريا نبي ذلك الزمان زوج أخت مريم أشياع في قول الجمهور و قيل زوج خالتها أشياع فاللَّه أعلم و قد ذكر محمد بن إسحاق و غيره ان أم مريم كانت لا تحبل فرأت يوما طائرا يزق فرخا له فاشتهت