البداية و النهاية - ابن كثير الدمشقي - الصفحة ٨ - * قصة شمويل (عليه السلام) و فيها بدأ أمر داود (عليه السلام)
قال ابن عباس و كثير من المفسرين هذا النهر هو نهر الأردن و هو المسمى بالشريعة فكان من أمر طالوت بجنوده عند هذا النهر عن أمر نبي اللَّه له عن أمر اللَّه له اختبارا و امتحانا أن من شرب من هذا النهر فلا يصحبنى في هذه الغزوة و لا يصحبنى إلا من لم يطعمه إلا غرفة في يده. قال اللَّه تعالى فَشَرِبُوا مِنْهُ إِلَّا قَلِيلًا مِنْهُمْ.
قال السدي كان الجيش ثمانين ألفا فشرب منه ستة و سبعون ألفا فبقي معه أربعة آلاف كذا قال* و قد روى البخاري في صحيحه من حديث إسرائيل و زهير و الثوري عن أبى إسحاق عن البراء بن عازب قال كنا أصحاب محمد (صلّى اللَّه عليه و سلّم) نتحدث أن عدة أصحاب بدر على عدة أصحاب طالوت الذين جاوزوا معه النهر و لم يجاوز معه إلا بضعة عشر و ثلاثمائة مؤمن. و قول السدي أن عدة الجيش كانوا ثمانين ألفا فيه نظر لأن أرض بيت المقدس لا تحتمل أن يجتمع فيها جيش مقاتلة يبلغون ثمانين ألفا و اللَّه أعلم. قال اللَّه تعالى فَلَمَّا جاوَزَهُ هُوَ وَ الَّذِينَ آمَنُوا مَعَهُ قالُوا لا طاقَةَ لَنَا الْيَوْمَ بِجالُوتَ وَ جُنُودِهِ أي استقلوا أنفسهم و استضعفوها عن مقاومة أعدائهم بالنسبة الى قلتهم و كثرة عدد عدوهم قالَ الَّذِينَ يَظُنُّونَ أَنَّهُمْ مُلاقُوا اللَّهِ كَمْ مِنْ فِئَةٍ قَلِيلَةٍ غَلَبَتْ فِئَةً كَثِيرَةً بِإِذْنِ اللَّهِ وَ اللَّهُ مَعَ الصَّابِرِينَ يعنى بها الفرسان منهم. و الفرسان أهل الايمان و الإيقان الصابرون على الجلاد و الجدال و الطعان. وَ لَمَّا بَرَزُوا لِجالُوتَ وَ جُنُودِهِ قالُوا رَبَّنا أَفْرِغْ عَلَيْنا صَبْراً وَ ثَبِّتْ أَقْدامَنا وَ انْصُرْنا عَلَى الْقَوْمِ الْكافِرِينَ طلبوا من اللَّه أن يفرغ عليهم الصبر أي يغمرهم به من فوقهم فتستقر قلوبهم و لا تقلق و أن يثبت أقدامهم في مجال الحرب و معترك الابطال و حومة الوغى و الدعاء الى النزال فسألوا التثبت الظاهر و الباطن و أن ينزل عليهم النصر على أعدائهم و أعدائه من الكافرين الجاحدين بآياته و آلائه فأجابهم العظيم القدير السميع البصير الحكيم الخبير الى ما سألوا و أنا لهم ما اليه فيه رغبوا و لهذا قال (فَهَزَمُوهُمْ بِإِذْنِ اللَّهِ) أي بحول اللَّه لا بحولهم و بقوة اللَّه و نصره لا بقوتهم و عددهم مع كثرة أعدائهم و كمال عددهم كما قال تعالى وَ لَقَدْ نَصَرَكُمُ اللَّهُ بِبَدْرٍ وَ أَنْتُمْ أَذِلَّةٌ فَاتَّقُوا اللَّهَ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ و قوله تعالى وَ قَتَلَ داوُدُ جالُوتَ وَ آتاهُ اللَّهُ الْمُلْكَ وَ الْحِكْمَةَ وَ عَلَّمَهُ مِمَّا يَشاءُ فيه دلالة على شجاعة داود (عليه السلام) و انه قتله قتلا أذل به جنده و كسره و لا أعظم من غزوة يقتل فيها ملك عدوه فيغنم بسبب ذلك الأموال الجزيلة و يأسر الابطال و الشجعان و الأقران و تعلو كلمة الايمان على الأوثان و يدال لأولياء اللَّه على أعدائه. و يظهر الدين الحق على الباطل و أوليائه* و قد ذكر السدي فيما يرويه أن داود (عليه السلام) كان أصغر أولاد أبيه و كانوا ثلاثة عشر ذكرا كان سمع طالوت ملك بنى إسرائيل و هو يحرض بنى إسرائيل على قتل جالوت و جنوده و هو يقول من قتل جالوت زوجته بابنتي و أشركته في ملكي و كان داود (عليه السلام) يرمى بالقذافة و هو المقلاع رميا عظيما فبينا هو سائر مع بنى إسرائيل إذ ناداه حجر أن خذني فان بى تقتل جالوت فأخذه ثم