البداية و النهاية - ابن كثير الدمشقي - الصفحة ٣٠٨ - فصل
أحد بنى علاج و كان أدهى العرب و أمكرها، فقالوا له يا عمرو أ لم تر ما حدث في السماء من القذف بهذه النجوم؟ قال بلى، فانظروا فأن كانت معالم النجوم التي يهتدى بها في البر و البحر و يعرف بها الأنواء من الصيف و الشتاء، لما يصلح الناس في معايشهم هي التي يرمى بها، فهو و اللَّه طى الدنيا، و هلاك هذا الخلق و إن كانت نجوما غيرها و هي ثابتة على حالها فهذا لأمر أراد اللَّه به هذا الخلق فما هو؟.
قال ابن إسحاق: و حدثني بعض أهل العلم أن امرأة من بنى سهم- يقال لها الغيطلة- كانت كاهنة في الجاهلية جاءها صاحبها ليلة من الليالي فانقض تحتها، ثم قال: أدر ما أدر، يوم عقر و نحر، قالت قريش حين بلغها ذلك ما يريد؟ ثم جاءها ليلة أخرى فانقض تحتها ثم قال: شعوب ما شعوب؟ تصرع فيه كعب الجنوب. فلما بلغ ذلك قريشا قالوا ما ذا يريد؟ إن هذا لأمر هو كائن فانظروا ما هو، فما عرفوه حتى كانت وقعة بدر و أحد بالشعب فعرفوا أنه كان الّذي جاء به إلى صاحبته.
قال ابن إسحاق: و حدثني على بن نافع الجرشى أن جنبا- بطنا من اليمن- كان لهم كاهن في الجاهلية، فلما ذكر أمر رسول اللَّه (صلّى اللَّه عليه و سلّم) و انتشر في العرب، قالت له جنب انظر لنا في أمر هذا الرجل و اجتمعوا له في أسفل جبله. فنزل اليهم حين طلعت الشمس فوقف لهم قائما متكئا على قوس له، فرفع رأسه إلى السماء طويلا، ثم جعل ينزو، ثم قال: أيها الناس إن اللَّه أكرم محمدا و اصطفاه و طهر قلبه و حشاه و مكثه فيكم أيها الناس قليل. ثم اشتد في جبله راجعا من حيث جاء، ثم ذكر ابن إسحاق قصة سواد بن قارب و قد أخرناها إلى هواتف الجان.
فصل
قال ابن إسحاق: و حدثني عاصم بن عمر بن قتادة عن رجال من قومه قالوا إن مما دعانا إلى الإسلام- مع رحمة اللَّه تعالى و هداه لنا- أن كنا نسمع من رجل من يهود- و كنا أهل شرك أصحاب أوثان، و كانوا أهل كتاب عندهم علم ليس لنا، و كانت لا يزال بيننا و بينهم شرور فإذا نلنا منهم بعض ما يكرهون قالوا لنا إنه قد تقارب زمان نبي يبعث الآن نقتلكم معه قتل عاد و إرم، فكنا كثيرا ما نسمع ذلك منهم فلما بعث اللَّه رسول اللَّه (صلّى اللَّه عليه و سلّم) أجبناه حين دعانا إلى اللَّه، و عرفنا ما كانوا يتوعدوننا به.
فبادرناهم اليه، فآمنا به و كفروا به. ففينا و فيهم نزلت هذه الآية. وَ لَمَّا جاءَهُمْ كِتابٌ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ مُصَدِّقٌ لِما مَعَهُمْ وَ كانُوا مِنْ قَبْلُ يَسْتَفْتِحُونَ عَلَى الَّذِينَ كَفَرُوا فَلَمَّا جاءَهُمْ ما عَرَفُوا كَفَرُوا بِهِ فَلَعْنَةُ اللَّهِ عَلَى الْكافِرِينَ.
و قال ورقاء عن ابن أبى نجيح عن على الأزدي: كانت اليهود تقول اللَّهمّ ابعث لنا هذا النبي يحكم بيننا و بين الناس يستفتحون به- أي يستنصرون به- رواه البيهقي. ثم روى من طريق عبد الملك ابن هارون بن عنبرة عن أبيه عن جده عن سعيد بن جبير عن ابن عباس. قال: كانت اليهود بخيبر