البداية و النهاية - ابن كثير الدمشقي - الصفحة ٣١٠ - فصل
الشام يقال له ابن الهيبان قدم علينا قبل الإسلام بسنين فحل بين أظهرنا لا و اللَّه ما رأينا رجلا قط لا يصلى الخمس أفضل منه، فأقام عندنا فكنا إذا قحط عنا المطر قلنا له اخرج يا ابن الهيبان فاستسق لنا، فيقول لا و اللَّه حتى تقدموا بين يدي مخرجكم صدقة، فنقول له كم؟ فيقول صاعا من تمر، أو مدين من شعير.
قال فنخرجها، ثم يخرج بنا الى ظاهر حرثنا فيستسقي لنا، فو اللَّه ما يبرح مجلسه حتى يمر السحاب و يسقى. قد فعل ذلك غير مرة و لا مرتين و لا ثلاثا. قال ثم حضرته الوفاة عندنا، فلما عرف أنه ميت قال يا معشر يهود ما ترونه أخرجني من أرض الخمر و الخمير الى أرض البؤس و الجوع؟ قال قلنا أنت أعلم قال فانى إنما قدمت هذه البلدة أتوكف خروج نبي قد أظل زمانه، هذه البلدة مهاجرة فكنت أرجو ان يبعث فاتبعه، و قد أظلكم زمانه فلا تسبقن اليه يا معشر يهود، فإنه يبعث بسفك الدماء و سبى الذراري فيمن خالفه فلا يمنعنكم ذلك منه: فلما بعث رسول اللَّه (صلّى اللَّه عليه و سلّم) و حاصر بنى قريظة قال هؤلاء الفتية- و كانوا شبابا أحداثا-: يا بنى قريظة و اللَّه إنه للنّبيّ الّذي عهد إليكم فيه ابن الهيبان. قالوا ليس به قالوا بلى و اللَّه إنه لهو بصفته. فنزلوا فأسلموا فاحرزوا دماءهم و أموالهم و أهليهم.
قال ابن إسحاق فهذا ما بلغنا عن أحبار يهود قلت: و قد قدمنا في قدوم تبع اليماني و هو أبو كرب تبان أسعد إلى المدينة و محاصرته إياها و انه خرج اليه ذانك الحبران من اليهود فقالا له إنه لا سبيل لك عليها، أنها مهاجر بنى يكون في آخر الزمان فثناه ذلك عنها. و قد
روى أبو نعيم في الدلائل من طريق الوليد بن مسلم حدثنا محمد بن حمزة بن يوسف بن عبد اللَّه بن سلام عن أبيه عن جده. قال قال عبد اللَّه بن سلام: ان اللَّه لما أراد هدى زيد ابن سعية قال زيد لم يبق شيء من علامات النبوة إلا و قد عرفتها في وجه محمد (صلّى اللَّه عليه و سلّم)، حين نظرت اليه إلا اثنتين لم أخبرهما منه: يسبق حلمه جهله، و لا يزيده شدة الجهل عليه إلا حلما. قال فكنت أتلطف له لأن أخالطه فاعرف حلمه و جهله، فذكر قصة إسلافه للنّبيّ (صلّى اللَّه عليه و سلّم) مالا في ثمرة، قال فلما حل الأجل أتيته فأخذت بمجامع قميصه و ردائه- و هو في جنازة مع أصحابه- و نظرت اليه بوجه غليظ، و قلت: يا محمد ألا تقضيني حقي؟ فو اللَّه ما علمتكم بنى عبد المطلب لمطل، قال فنظر إلى عمر و عيناه يدوران في وجهه كالفلك المستدير. ثم قال يا عدو اللَّه أ تقول لرسول اللَّه (صلّى اللَّه عليه و سلّم) ما أسمع، و تفعل ما أرى؟ فو الّذي بعثه بالحق لو لا ما أحاذر لومه لضربت بسيفي رأسك، و رسول اللَّه (صلّى اللَّه عليه و سلّم) ينظر إلى عمر في سكون و تؤدة و تبسم. ثم قال: «أنا و هو كنا أحوج إلى غير هذا منك يا عمر، أن تأمرنى بحسن الأداء، و تأمره بحسن التباعة، اذهب به يا عمر فاقضه حقه. و زد عشرين صاعا من تمر» فأسلم زيد بن سعية رضى اللَّه عنه.
و شهد بقية المشاهد مع رسول اللَّه (صلّى اللَّه عليه و سلّم)، و توفى عام تبوك (رحمه اللَّه).
ثم ذكر ابن إسحاق (رحمه اللَّه): إسلام سلمان الفارسي رضى اللَّه عنه و أرضاه فقال حدثني عاصم بن