البداية و النهاية - ابن كثير الدمشقي - الصفحة ٢٨٣ - فصل في خروجه عليه الصلاة و السلام مع عمه أبى طالب إلى الشام و قصته مع بحيرى الراهب
لمبارك. و كان الصبيان يصبحون رمصا شعثا و يصبح رسول اللَّه (صلّى اللَّه عليه و سلّم) دهينا كحيلا.
و قال الحسن بن عرفة حدثنا على بن ثابت عن طلحة بن عمرو سمعت عطاء بن أبى رباح سمعت ابن عباس يقول: كان بنو أبى طالب يصبحون رمصا عمصا و يصبح رسول اللَّه (صلّى اللَّه عليه و سلّم) صقيلا دهينا و كان أبو طالب يقرب الى الصبيان صفحتهم أول البكرة، فيجلسون و ينتهبون و يكف رسول اللَّه (صلّى اللَّه عليه و سلّم) يده فلا ينتهب معهم. فلما رأى ذلك عمه عزل له طعامه على حدة.
و قال ابن إسحاق: حدثني يحيى بن عباد بن عبد اللَّه بن الزبير أن أباه حدثه أن رجلا من لهب كان عائفا فكان إذا قدم مكة أتاه رجال من قريش بغلمانهم ينظر اليهم و يعتاف لهم فيهم. قال فأتى أبو طالب برسول اللَّه (صلّى اللَّه عليه و سلّم) و هو غلام مع من يأتيه قال فنظر الى رسول اللَّه (صلّى اللَّه عليه و سلّم) ثم شغله عنه شيء. فلما فرغ قال: الغلام على به. فلما رأى أبو طالب حرصه عليه غيبه عنه فجعل يقول ويلكم ردوا على الغلام الّذي رأيته آنفا فو اللَّه ليكونن له شأن. قال و انطلق به أبو طالب.
فصل في خروجه عليه الصلاة و السلام مع عمه أبى طالب إلى الشام و قصته مع بحيرى الراهب
قال ابن إسحاق: ثم إن أبا طالب خرج في ركب تاجرا إلى الشام. فلما تهيأ للرحيل و أجمع السير صب به رسول اللَّه (صلّى اللَّه عليه و سلّم)- فيما يزعمون- فرق له أبو طالب و قال و اللَّه لأخرجن به معى و لا أفارقه و لا يفارقني أبدا- أو كما قال- فخرج به. فلما نزل الركب بصرى من أرض الشام و بها راهب يقال له بحيرى في صومعة له. و كان اليه علم أهل النصرانية، و لم يزل في تلك الصومعة منذ قط راهب فيها. اليه يصير علمهم عن كتاب فيما يزعمون. يتوارثونه كابرا عن كابر، فلما نزلوا ذلك العام ببحيرى- و كانوا كثيرا ما يمرون به فلا يكلمهم و لا يعرض لهم- حتى كان ذلك العام. فلما نزلوا قريبا من صومعته صنع لهم طعاما كثيرا و ذلك فيما يزعمون عن شيء رآه و هو في صومعته، يزعمون أنه رأى رسول اللَّه (صلّى اللَّه عليه و سلّم) في الركب حتى أقبل و غمامة تظلله من بين القوم. ثم أقبلوا فنزلوا في ظل شجرة قريبا منه. فنظر إلى الغمامة حين أظلت الشجرة و تهصرت أغصان الشجرة على رسول اللَّه (صلّى اللَّه عليه و سلّم) حتى استظل تحتها. فلما رأى ذلك بحيرى نزل من صومعته و قد أمر بطعام فصنع. ثم أرسل اليهم. فقال إني صنعت لكم طعاما يا معشر قريش فأنا أحب أن تحضروا كلكم، كبيركم و صغيركم، و عبدكم و حركم. فقال له رجل منهم و اللَّه يا بحيرى إن لك لشأنا اليوم. ما كنت تصنع هذا بنا و قد كنا نمر بك كثيرا فما شأنك اليوم؟ قال له بحيرى صدقت قد كان ما تقول و لكنكم ضيف و قد أحببت أن أكرمكم و أصنع لكم طعاما فتأكلون منه كلكم فاجتمعوا اليه و تخلف رسول اللَّه (صلّى اللَّه عليه و سلّم) من بين القوم لحداثة سنه في رحال القوم تحت الشجرة