البداية و النهاية - ابن كثير الدمشقي - الصفحة ١٩ - قصة سليمان بن داود (عليهما السلام)
يعقوب العمى [١] حدثني أبو مالك قال مر سليمان بن داود بعصفور يدور حول عصفورة فقال لأصحابه أ تدرون ما يقول قالوا و ما يقول يا نبي اللَّه: قال يخطبها الى نفسه و يقول زوجيني أسكنك أي غرف دمشق شئت. قال سليمان (عليه السلام) لان غرف دمشق مبنية بالصخر لا يقدر أن يسكنها أحد و لكن كل خاطب كذاب. رواه ابن عساكر عن أبى القاسم زاهر بن طاهر [٢] عن البيهقي به و كذلك ما عداها من الحيوانات و سائر صنوف المخلوقات و الدليل على هذا قوله بعد هذا من الآيات وَ أُوتِينا مِنْ كُلِّ شَيْءٍ أي من كل ما يحتاج الملك اليه من العدد و الآلات و الجنود و الجيوش و الجماعات من الجن و الانس و الطيور و الوحوش و الشياطين السارحات و العلوم و الفهوم و التعبير عن ضمائر المخلوقات من الناطقات و الصامتات ثم قال إِنَّ هذا لَهُوَ الْفَضْلُ الْمُبِينُ أي من بارئ البريات و خالق الأرض و السموات كما قال تعالى وَ حُشِرَ لِسُلَيْمانَ جُنُودُهُ مِنَ الْجِنِّ وَ الْإِنْسِ وَ الطَّيْرِ فَهُمْ يُوزَعُونَ حَتَّى إِذا أَتَوْا عَلى وادِ النَّمْلِ قالَتْ نَمْلَةٌ يا أَيُّهَا النَّمْلُ ادْخُلُوا مَساكِنَكُمْ لا يَحْطِمَنَّكُمْ سُلَيْمانُ وَ جُنُودُهُ وَ هُمْ لا يَشْعُرُونَ فَتَبَسَّمَ ضاحِكاً مِنْ قَوْلِها وَ قالَ رَبِّ أَوْزِعْنِي أَنْ أَشْكُرَ نِعْمَتَكَ الَّتِي أَنْعَمْتَ عَلَيَّ وَ عَلى والِدَيَّ وَ أَنْ أَعْمَلَ صالِحاً تَرْضاهُ وَ أَدْخِلْنِي بِرَحْمَتِكَ فِي عِبادِكَ الصَّالِحِينَ.
يخبر تعالى عن عبده و نبيه و ابن نبيه سليمان بن داود عليهما الصلاة و السلام أنه ركب يوما في جيشه جميعه من الجن و الانس و الطير فالجن و الانس يسيرون معه و الطير سائرة معه تظله بأجنحتها من الحر و غيره و على كل من هذه الجيوش الثلاثة وزعة أي نقباء يردون أوله على آخره فلا يتقدم أحد عن موضعه الّذي يسير فيه و لا يتأخر عنه قال اللَّه تعالى حَتَّى إِذا أَتَوْا عَلى وادِ النَّمْلِ قالَتْ نَمْلَةٌ يا أَيُّهَا النَّمْلُ ادْخُلُوا مَساكِنَكُمْ لا يَحْطِمَنَّكُمْ سُلَيْمانُ وَ جُنُودُهُ وَ هُمْ لا يَشْعُرُونَ فأمرت و حذرت و اعتذرت عن سليمان و جنوده بعدم الشعور. و قد ذكر وهب أنه مر و هو على البساط بواد بالطائف و أن هذه النملة كان اسمها جرسا و كانت من قبيلة يقال لهم بنو الشيصبان و كانت عرجاء و كانت بقدر الذئب. و في هذا كله نظر بل في هذا السياق دليل على أنه كان في موكبه راكبا في خيوله و فرسانه لا كما زعم بعضهم من أنه كان إذ ذاك على البساط لانه لو كان كذلك لم ينل النمل منه شيء و لا وطء لان البساط كان عليه جميع ما يحتاجون اليه من الجيوش و الخيول و الجمال و الأثقال و الخيام و الانعام و الطير من فوق ذلك كله كما سنبينه بعد ذلك إن شاء اللَّه تعالى
[ ()] بلسانهم المضحاة و المشرقة محمود الامام
[١] كذا بالأصول بالعين المهملة و الصواب القمي بضم القاف و تشديد الميم. و هو يعقوب بن عبد اللَّه بن سعد بن مالك بن هاني بن عامر بن أبى عامر الأشعري أبو الحسن القمي انتهى محمود الامام
[٢] هو زاهر بن طاهر أبو القاسم الشحامي مسند بنيسابور صحيح السماع لكنه يخل بالصلاة فترك الرواية عنه غير واحد من الحافظ تورعا و قبله آخرون انتهى محمود الامام